| صحراء ولا خيار وملاذ الهي..!   عدد القراء : 1042   .
منذ أن انطلق المجاهدون على هذه الأرض المباركة الجريحة وهم يسجلون في مقارعتهم الغزاة أروع القصص.. ذلك أن بطولتهم إيمانية وليست أية بطولة.. وتمكينهم رباني وليس أي تمكين.. البصائر تقدم بعض هذه القصص لهذا الجيل والأجيال اللاحقة.. لم يجد اشقاؤه العراقيون ما يكفي من الوقت لتعليمه كل شيء عن تضاريس العراق. فقد جاء لاهثاً من ارض الاجداد، مهد نبينا المصطفى، لنصرة دينه واهله في ارض الرافدين، وقد ترك وراءه وظيفته المريحة كأستاذ جامعي وحياته الودية المترفة وترك وراءه ايضاً زوجته الشابة وطفلتيه الرائعتين اللتين يحمل صورتها في جيبه بعد ان اوصى اخاه بتولي رعايتهما، ولم يكن يتمنى اكثر من أن يكرمه الله سبحانه بفرصة جهادية لااحلى ولا اروع تتيح له مقاتلة جيش الغزاة، كفار القرن الواحد والعشرين وجهاً لوجه مثلما تتيح له الاسهام في شد ازر اخوته العراقيين، وقد اكتفى منه المجاهدون بمهارته المسبقة في الرماية وذكائه الميداني واستعداده للاستشهاد، وهذا اكثر من المطلوب من اي مقاتل مثالي في مواجهات من النوع الدائرة رحاه في شوارع ومدن العراق الحرة. كان قد اشترك من فوره في عمليات كثيرة متوالية اثبت فيها اجادة متميزة في قتال الشوارع بعامة والمواجهة المباشرة مع قوات الاحتلال بخاصة عدا اجادته استخدام اكثر من سلاح في وقت واحد، وكانت حركاته الرشيقة والسريعة اثناء القتال بقامته الطويلة نسبياً وبنحافته الشديدة، مثار انتباه النظارة عن بعد من العراقيين وجنود الاحتلال في آن معاً في مناطق غرب العراق التي كان يقاتل فيها.. وروى احد رفاقه مرة، ان القناصة الامريكان كانوا يستهدفونه بشخصه بحيث ينهالون عليه كلما تحرك من مكانه في المواجهه بزخات من الرصاص حواليه وفي اثره اينما اختبأ وكيفما حاول المناورة، كما لو انهم يريدون الثأر للخسائر الجسيمة التي كانوا يتكبدونها على يدي خفته القتالية الفائقة. واخيراً جاءت عمليته النوعية الكبرى وقل جاءت فرصته الجهادية المتميزة التي سيسجل بها قصته في سفر الجهاد العظيم على ارض الرافدين، إذ كان واجبه هذه المرة ان يكون على رأس مجموعة الكمين الاساسي الذي سيتصدى لطلائع احدى فرق جيش الغزاة التي تنوي اقتحام احدى المدن المحررة في اعالي غرب الفرات.. ولم تنجح المجموعة في اعاقة وتعطيل الاقتحام لأكثر من مرة وكلما اعادت الفرقة المحاولة ثانية وثالثة ورابعة فحسب، بل وفي النيل من الفرقة وهي فرقة مارينز متخصصة، الى حد يقرب من ابادة معظمها، بشراً وآليات، بحيث توقفت محاولات اقتحام المدينة تماماً وانشغلت قوات الاحتلال بدلاً من هذا بإخلاء خسائرها (وتنظيف) منطقة العمليات الكارثية... لكن البطل اصيب وبدلاً من الاستجابة لنداءات رفاقه في المجموعة بأن يقترب اكثر منهم ليسهل اخلاؤه معهم وهم ينسحبون، استمر في القتال وهو جاث على ركبتيه يطلق قذائف الـ(RBG) تارة ويهرول مكابراً وهو يطلق الرصاص باتجاه القناصة المحتلين تارةً اخرى.. بحيث ظن رفاقه المنسحبون انه يقوم بالتغطية على انسحابه لاحقاً وهو الاخر وقد فعلها سابقاً اكثر من مرة في معظم العمليات التي اشترك فيها إذ لابد من ان تكون له استزادة بطولية خاصة به في خاتمة كل عملية.. إلا هذه العملية التي لم يكن رفاقه يعلمون ان الاصابة والمكابرة عليها قد عطلته وليست الاستزادة الجهادية وحدها، بحيث وجد نفسه في اقل من بضعة دقائق، مطوقاً من اعدائه يقاتل وحيداً مكابراً على اصابته بين خيارين، ان يستمر في القتال حتى تنفد ذخيرته مما يعطي الفرصة لاحتمالات اسره مع تداعيات اصابته.. او يسارع الى الانسحاب فوراً ولكن من المنفذ الوحيد الذي بقي له.. طريق ترابي ضيق يفضي الى الصحراء ولاشيء غير الصحراء العريضة الممتدة حتى نهايات الافق الغربي.. فكان ان اختار الاثنين معاً؛ ان يستمر في القتال حتى تنفد ذخيرته ما عدا بضع رصاصات سيبقيها في بندقيته ثم يقرر الانسحاب الى المنفذ الصحراوي في اللحظة الاخيرة التي لايكون فيها تحت ضغط نيران العدو.. وهكذا كان. كان قد بدأ يحس بوطأة النزف وآلامه اول ما تلقفته الصحراء، وبالكاد وجد لنفسه على عجل مكاناً غائراً تحت احدى التلال استطاع فيه ان يتبين مكان الاصابتين، واحدة عميقة برصاصة استقرت في عضلة الساق اليسرى والاخرى سطحية لكن الرصاصة اخترقت قليلاً عظم الحوض من جهة الخاصرة.. هذا غير الشظايا التي توزعت على رقبته وصدره وبطنه وهو يحاول الافلات من قذيفة اخيرة استهدفته من احدى المروحيات، فما كان منه إلا ان يهمس لنفسه بآيات قرآنية بل وبسور قرآنية باكملها تلائم حالته الجهادية والمحنة الرهيبة التي وجد نفسه فيها، فلا فرصة الاستشهاد مضمونة وقد سعى اليها بكل ما اوتي من عزم في قتاله، لكن ارادة الله ابت تلبيتها، ولا الاسر يمكن احتمال ذله وعذابه على ايدي اوغاد لن يتورعوا اقتراف اية فظيعة بحقه وهو العربي (المغضوب عليه) سلفاً من عتاة الاجرام والحقد الصهيو- امريكي. كان قد مزق قميصه الداخلي وبعد ان وضع شيئاً يحمله مسبقاً في جيبه على الجرحين يخفف من تدفق النزف، شدّ مكان الاصابتين وبدأ رحلة السير في المتاهة الصحراوية وما هي الا لحضات ظن فيها انه يستطيع ان يمشي الهوينا في طريقه من دون ان يتعقبه احد، حتى لاحت في السماء فوقه مروحيتان ثم ثلاث واربع ولم تلبث ناقلة ثم عجلة (همفي) ان وجدتا طريقاً في إثره من بعيد.. وتأكد لديه انه ملاحق من كل الجهات عدا جهة الافق الصحراوي امامه، كان يلبث برهة وراء اية تلة قريبة ثم يعاود السير منحرفاً قليلاً عن خط رصد المروحيات والعجلات الملاحقة باتجاه ما يشبه الوادي الذي تلتقي فيه التلال الخفيفة ببضع شجيرات داكنات لم يميزها جيداً وقد بدأ الغروب يبسط اجنحته القاتمة على الافق.. ثم حل الليل قرر ان يستريح وغاب في سبات عميق، غير انه نهض فجراً وجد مروحيات وعجلات الملاحقة بإنتظاره.. وكانت رحلة عذاب اخرى يتهاوى فيها على الارض تارة ويمشي كالزاحف زحفاً تارة اخرى وسط ما يشبه العمى اصاب قوات الاحتلال وهو في متناول البصر العادي وفي هيئته المتهالكة تلك وهو يتنقل من متاهة صحراوية الى اخرى. كان القرويون الذين اكتشفوا جسده الشاحب شحوب الاموات قرب بركة راكدة قد استدلوا عليه من خلال تعقب الخط الدموي المتسيب الذي خلفه وراءه ولم يصدقوا انه حي، الى ان قال طبيب المجاهدين في المنطقة وقد عرف اية معركة خاض بطلنا، إذ كانت معروفة اعلامياً؛ سبحان الله! ثلاثة ايام في الصحراء وبنزف مستمر من جرحين وبلا طعام ولا ماء ومطارد من جيش بأكمله وما زال حياً.. لانملك ان نقول سوى انها معجزة الهية.. يا سبحان الله!. |