| مزاعم بوش في صناعة التأريخ   عدد القراء : 1247   .
صرح بوش أو (دبل يو بوش) كما يحلو للبعض تسميته قبل أشهر لإحدى قنوات الإعلام الأمريكية قائلاً: (أنا لست مؤرخاً إنما أنا صانع للتأريخ) تطلعاً منه، فيما يبدو لإضفاء صفة البطولة التأريخية؛ صفة صانع التأريخ، أو صانع الحدث التأريخي، اللانمطي الانقلابي، المتميز، البطولي، الشمولي فاتحة عصر أو عصور المستقبل على أوسع أبوابه، وغالق بوابات عصور الماضي بكل إرثها وتخلفها.. ذلك الحدث الذي تظافرت فيه رؤاه وعقله وإرادته، وحدسه التأريخي وبصيرته النافذة وفراسته في رؤية آفاق المستقبل مع ظروف موضوعية مؤاتية، أو بدون تلك الظروف أصلاً قفزاً فوقها، أو حرفتها او تعجيلها. وبوش في ادعائه هذا انما يبغي لاصطفاف بغير استحقاق يذكر مع صانعي التأريخ الانساني الحقيقيين في درجات العلا والمجد التي نالوها سعياً واستحقاقاً وعبقرية وتميزاً وتفرداً وبطولة وحكمة.. فهل كان بوش في اربع سنواته السابقة وما يظن ما سيقدم عليه- استقراءً- في ما بقي من اربع سنواته اللاحقة صانعاً للتأريخ، ام العراق هذا البلد الصغير بحسابات الجغرافية والطارئ بحسابات السياسة الدولية وفاقد القدرة بهذا الحصار الاسود ثم بهاتين الحربين التدميريتين اللتين سنتا عليه ظلماً وعدواناً واستخفافاً بكل المعايير الاخلاقية- والدولية او بالثلاثة حروب بتعبير اصح بعدما تبين ان خلف الاكمة ما خلفها.. ام العراق باهله، وبتلك الثلة المؤمنة المجاهدة فيه، تلك النخب الممتازة، اهل الارض والعرض والدين، اولئك مفاجأة الحسابات السياسية الدولية بكل الوانها فيه هو من يستحق ان نطلق عليه، استحقاقاً مفردة، او مصطلح صانع للتأريخ. ولنبدأ من مفهومية صناعة التأريخ هذه التي حاول بوش ادعاء الانطواء تحت مسماها تزويراً للحقيقة التأريخية واستخفافاً بها. يطلق منظرو التأريخ وفلاسفته هذا المفهوم على الرموز الانسانية، الشخصيات، اولئك الذين ساهموا عبر افعالهم التأريخية الانسانية الخلاقة - فتوحات، اكتشافات اختراعات، فكر، بناء الخ.. في الارتقاء بالانسانية قليلاً او كثيراً في سلم الرقي والعمران، وجلب المصالح والازدهار والحرية الانسانية والانعتاق من عصور التخلف والظلم والاستبداد، اولئك العظام رجالاً او نساءً افراداً او جماعات شعوباً او أمماً اولئك الذين توقف التأريخ عندهم لا ليواصل خطواته الرتيبة البائسة التي كان عليها فيما قبلهم ولكن لينحرف بزاوية ما تستوجبها مصالح الانسانية العامة. وساعتمد الكاتب (سدني هوك) في طروحات كتابة (البطل في التأريخ) لما فيها من شمولية، وعمق وموسوعية وموضوعية، يقول سدني هوك في كتابه السالف الذكر (اما الرجل الصانع للاحداث فهو رجل احداث افعاله هي نتائج طاقات وملكات، ذكاء حاد وارادة قوية وشخصية بارزة اكثر مما هي نتائج حوادث عارضة ناجمة عن مركزه). ويؤكد (تويبني) في صناعة الحضارات الانسانية لتأريخها على عاملي، التحدي والاستجابة، فكلما كبرت التحديات للحضارات كبرت استجابات الحضارات لتلك التحديات، وبذلك يُصنع التأريخ فالحضارة الصينية والحضارة السومرية والحضارة البابلية والحضارة الفرعونية المصرية انما صنعتها تحديات الطبيعة لا هدوؤها او دعتها. وللقرآن الكريم رؤية تختلف كثيراً عن تلك الرؤى الانسانية في قراءتها للتأريخ ولمفرداته الاخرى، صناعة التأريخ ودور الفرد فيه، ودور الجماعة، الطبقات، الامم، توزيع الثروات، الرخاء، العسر، الحروب البشرية، أمم صالحة، واخرى كافرة وعشرات المفردات الاخرى، وهي تركز كثيراً على موضوعات الظلم، البطر، الاستكبار في الارض بغير الحق، طاعة الله والدعوة الى دينه، فساد الامم، العدالة، سنن الله سبحانه في عباده، المترفين وفراعنة التأريخ وتلك الاصنام التي تعبد من دون الله، وعشرات الطروحات الاخرى. ولقد افاض الدكتور عماد الدين خليل بكتابه الرائد (التفسير الإسلامي للتأريخ) فاغناه بحثاً ودراسة، ومثلما أكد كثير من الكتاب ان فلسفة ابن خلدون في مقدمته الشهيرة مستمدة ومستوحاة من طروحات القرآن الكريم التأريخية. وهذا قليل من كثير في فلسفة التأريخ، وصناعة التأريخ، صناعة الحدث التأريخي ودور البطولة الانسانية فيه، وهو مبحث غاصت فيه الفلسفة كثيراً وتباينت فيه وجهات النظر اكثر. وكان اديسون، وكان انشتاين، وكان نيوتن، وكان صلاح الدين الايوبي، وكان خالد بن الوليد، وكان الرشيد، وكان صقر قريش، عبدالرحمن الداخل، وكان محمد الفاتح، وكان آلاف وآلاف الناس في طول الارض وعرضها ممن هم صناع للتأريخ او ممن ساهم وبدرجات متفاوتة في صناعة التأريخ الانساني فيما آلت اليه الارض من عمران او تطور، وتقدم وتحديث ورقي. اما اولئك الذين انحدروا بالانسانية الى الدرك الاسفل من الجحيم والعذابات والآلام والدماء والضحايا ان عبر فلسفتهم المتوحشة واللاإنسانية او عبر تجسمات انفسهم المريضة (جنون العظمة) (العنصرية) (التعطش للدماء) (التطرف) (الطائفية) (الجنون) كهولاكو، وجنكيز خان، وهتلر، وموسوليني، ونيرون حارق روما، ونادر شاه وعباس صفوي، وابي رغال ومسيلمة الكذاب وسجاح والفرق الباطنية وصاحب الزنج ومئات غير هؤلاء فقد استقر في اذهان فلاسفة التأريخ عنهم انهم مرتدون كذابون صانعو همجيات متنوعة، ناعقو انحطاط انساني مريع حاملو عار تأريخي كبير يوصمون به هم وبطانتهم التي سوغت لهم جرائمهم ومحط لعنات الله والانسانية. تطاردهم احياء وامواتاً ((ويوم تقوم الساعة ادخلوا آل فرعون اشد العذاب)) بعد هذا الاستقراء التأريخي المعرفي الاولي، اعود ثانية الى هذا (الدبل يو بوش) فهو مدفوع بالاعيب اليهودية العالمية ورؤى وافكار (شتراوس) الفيلسوف اليهودي- نحن الفضيلة وغيرنا هم الرذيلة- وعلى الفضيلة ان تمتلك مخالب وأنياباً او فضيلة بلا قوة لا تعني شيئاً، وأفكار تلمودية ينتشوية في تمجيد القوة والبطش وتمجيد العرق والذات وازدراء الغير والضعفاء، بل والقضاء عليهم، ثم في تلامذته(....) بطانة البوش الحالية... مدفوعاً بتلك الرؤى والافكار التلمودية التوارتية واستراتيجية كبريات الشركات الامريكية وخاصة النفطية فيها لزج امريكا في حروب وصراعات عالمية؛ في ابادة للآخر، المسلم اولاً، وكل ما هو غير امريكي من العرق (الانكلو سكسوني) اليهودي ثانياً. اقول هو مدفوع بكل هذا ومهيأ لخوض حرب صليبية كفرية ضد امم الارض لذا فإنه ليس سوى مرتد آخر من مرتدي التأريخ لا من صانعي احداثه، لا من صانعيه، ليس سوى مدع آخر من مدعي صناعة التأريخ، شأنه بذلك شأن الذين سبقوه من الادعياء ولكي لا تتيه كثيراً في مطبات الخطابية والانشاء لنقرأ قليلاً بعض ما كتبه صاموئيل هنتغتون في كتابه صِدام الحضارات عن الشرخ الكبير الذي تعانيه اميركا والذي لا يؤهلها للعب اي فاعلية حضارية انسانية في التأريخ الانساني فيكتب (ابعد من المشاكل الاقتصادية والسكانية هي مشاكل الانهيار الاخلاقي، ثقافة الانتحار، التفتت السياسي في الغرب، ثم يعدد بعض النقاط. - تزايد السلوك غير الاجتماعي مثل الجريمة، استخدام المخدرات والعنف عامة. - انهيار الأسرة تتضمن زيادة مستويات الطلاق، حمل المراهقات، والاسرة ذات الرب الواحد. - على الاقل في الولايات المتحدة انهيار في رأس المال الاجتماعي. - الضعف العام في اخلاقيات العمل.. وفي مقال على جانب كبير من الاهمية يحدد الكاتب يحيى زكريا في مقال له في مجلة البيان العدد (207) عوامل السقوط الامريكي الحضاري التأريخي (ان اميركا سخرت آلاف المليارات من الدولارات لدعم التسلح والترسانة العسكرية على حساب المجالات الاجتماعية الاخرى، وهذا ما انتج طبقة فقيرة في المجتمع الامريكي قد تتحول مع مرور الايام الى قنبلة موقوتة) ويضيف في ذات المقال (قل من يعرف عن الصراع الشديد والمستتر بين الشركات الجبارة التي تتحكم في الاقتصاد الامريكي واقتصاديات العالم الثالث) (ان انتشار الجريمة بشكل مذهل في الولايات المتحدة يدل على الانكسار الرهيب في المجتمع الامريكي) وفي احصائيات متفرقة ومن مصادر متعددة التقطت لك بعض الارقام (180) امرأة تغتصب يومياً ويقتل (53) أنساناً وتسرق (2618) سيارة ويولد (1282) طفلاً غير شرعي، ويعقد (5962) عقد زواج ويفسخ (2986) عقد زواج، ويحدث السواق المخمورون خسارة قدرها (18) مليون دولار في البنية الامريكية وتشرب (90) مليون قنينة بيرة وتحمل (2740) مراهقة من الزنا وتجهض (3231) امرأة، ويصاب مالا يقل عن (8000) شخص تقريباً بالامراض الجنسية، وفي امريكا ناطحات السحاب يعيش (15) مليون طفل في فقر مدقع وفي نيويورك وحدها يوجد (20.000) طفل شارع ينامون في محطات المترو والانفاق وعدد الشواذ جنسياً بلغ (25) مليون شاذ بين رجل وامرأة، وحجم تجارة افلام وثقافة الدعارة هو (13.4) مليار دولار، اما عدد المواقع الاباحية وخاصة في كاليفورنيا فهو (1.300.000) موقع على الانترنت، وعدد (فقراء امريكا ممن هم تحت حافة الفقر هو (33) مليون انسان.. هذه هي امريكا الحقيقية لا تقوى على حمل اية رسالة تاريخية انسانية حضارية الى الشعوب والامم، وهذا بوش الذي لا يقل امريكية من امريكياه ونوايا سرقة العالم، وتمزيقه واغراقه في بؤس الجريمة وثقافة الجنس والمافيا. |