الفلاح مع القرآن   عدد القراء : 1228   .

 

 

وشاية كاذبة من مخبر حاقد وضعت القيد في يديه واغمضت عينيه بقطعة من قماش قميصه، ولم يكن يدري ضابط الدورية من امر الاعتقال سوى مداهمة الدار المرقم كذا واعتقال من في المنزل من الرجال.
دخلوا الدار من السياج الخلفي من دون اذن او مذكرة اعتقال وصلوا اليه واقتادوه معتقلاً إلى جهة مجهولة على الاقل بالنسبة إلى اهله وأقاربه واصدقائه.
لم يكن يدري ما الاسلوب الامثل في التعامل مع هؤلاء الاوباش الا انه قفزت إلى رأسه صورة من صور صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التعامل مع كفار قريش. كانت هذه الصورة ترافقه على مدى الاعوام التي استغرقهافي حفظ كتاب الله وقد اتمه قبل ثلاثة اعوام.
انها صورة الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وارضاه حينما انتدبه الرسول (صلى الله عليه وسلم) ليسمع قريشاً كلام الله وقد تعرض للضرب والتنكيل وما صده ذلك عن مواصلة قراءة القرآن ليسمعه من صده الشيطان عن سماعه.
هذه الصورة وغيرها من مناقب الصحابة الاجلاء ساهمت في رسم معالم شخصيته المحببة الى نفوس من عرفوه.
دارت هذه الفكرة في رأسه وهو مكبل معصوب العينين في سيارة الاعتقال وبدأ بقراءة القرآن بصوت عال فصاح به من معه من الحراس الضباع أن اسكت فلم يأبه لهم وأخذوا يلكزونه بأرجلهم تعاونهم وعورة الطريق في التضييق عليه ومحاولة مقاطعته عن مواصلة القراءة التي كانت بمثابة مطارق على رؤوسهم العفنة.
وصلوا إلى الموقف ولم يزل ابو مسعود يقرأ القرآن بصوته الجهوري لا تصده قعقعة السلاح ولا دربكة الضباع.
دخل إلى القاعة الرئيسة في المعتقل لأخذ المعلومات الاولية التي لا يمتلكون منها سوى المنطقة ورقم الدار فتناوب عليه المحققون بالاسئلة واللكمات وهو لا يجيبهم بل هو منشغل بقراءة القرآن ويربأ بنفسه من قطع التلاوة واجابتهم، وكأن الامر لا يعنيه، فزاد غضبهم واستشاطوا وما عرفوا ماذا يعملون معه، ان سألوه عن اسمه او عمره او اي شيء اخر يُعرّف شخصيته لهم لم يجبهم سوى بقراءة القرآن الرفيق الدائم في عمله وترحاله في نهاره وليله في رخائه وشدته وهو اليوم احوج ما يكون الى مواصلة القراءة.
لم يستطيعوا اسكاته فعلقوه من رجليه بشكل مقلوب وانهالوا عليه ضرباً وسباً وشتماً لعلهم يسكتونه فلم يفلحوا.
لما عجزوا انزلوه ودفعوه الى قاعة السجناء فدخل عليهم والدماء تسيل من جروحه وقد دب التعب على جسده ولكن روحه كانت ما تزال بقوتها وتمسكها بقراءة القرآن فسلم على السجناء وبدأ يدعو بدعاء المؤمن الصادق المتيقن من تحقيق وعد الله.
كان الصدق والاصرار واضحاً من نبرة صوته الجهوري فأمن على دعائه المعتقلون وبدأ صوتهم يتعالى بالدعاء والتأمين حتى ارتجت القاعة ووصل صوتهم الى ابعد نقطة في المعتقل ولم يستطع احد من الحراس ان يتقرب منهم تلك الليلة وكيف لا وهي الليلة الاولى لدخول ابي مسعود هذه القاعة.
وقف القرآن معه في محنته هذه، وكان له خير صاحب ورفيق، ولم تثبت تهمة عليه فأطلق سراحه ليعود الى دعوته واهله وتدريس القرآن الكريم لأهل حيه.