قراءة سياسية في حوار معمق للمشهد العراقي مع مؤلفه الناطق الرسمي باسم هيئة علماء المسلمين الشيخ الدكتور (محمد بشار الفيضي)
حاوره: ناصر الفهداوي
بعد صدور الجزء الثاني من كتاب (السراب-حصاد العملية السياسية في ظل الاحتلال الأمريكي للعراق) للشيخ الدكتور محمد بشار الفيضي؛ المتحدث الرسمي باسم هيئة علماء المسلمين في العراق، أجرينا معه حواراً مهماً بخصوص الكتاب ومحتوياته وقراءته للمشهد السياسي في ظل الاحتلال الأمريكي للعراق.
أثار الحوار جملة من الأمور المهمة التي اكتنفت العملية السياسية الجارية في ظل الاحتلال، وكشف عن حقيقة ما يجري في العراق من فشل كبير في العملية السياسية والوضع الكارثي للشعب العراقي.
وطالب الفيضي في حواره ؛ العالم وهيئاته الدولية ـ بعد أن فشلت كل المحاولات لإنقاذ العراق ـ أن يلتفت إلى ما تطرحه الهيئة من مشروع للإنقاذ، وهذا هو المهم في موضوع الكتاب.
وذكر الفيضي أن الهيئة حينما تكون ذات دقة عالية في التشخيص وذات دقة عالية في الاستشراف فبالضرورة ينبغي أن تكون ذات دقة عالية في المشروع.
كما استشرف الدكتور الفيضي مستقبل العملية السياسية القادمة في مرحلة ما بعد العام 2010م، محدّداً المسار الذي ستدخل فيه بقوله: أيّـاً كان القادم سنشهد حكومة هشة وأكثر ضعفاً من الحكومات التي سبقتها.
وأشاد الفيضي بدور المقاومة العراقية قائلاً إنها: كسرت عظم الاحتلال وهذه حقيقة يشهد بها القاصي والداني، وأدت دورها، ومازالت، لكن على الشعب الآن أن يؤدي دوره في سبيل حسم المعركة بشكل نهائي، مؤكداً في الوقت ذاته أن أبناء المقاومة قطعوا ثلاثة أرباع الطريق، وعلى بقية أبناء شعبنا أن يكملوا الربع الأخير.
وفيما يأتي نص الحوار:
المحاور/ نود أن تبينوا لنا ابتداءً محتويات الكتاب، وما تضمن من حوارات؟
د. الفيضي: مضمون الكتاب يتضح من عنوانه؛ فاسم الكتاب هو(السراب- حصاد العملية السياسية في ظل الاحتلال الأمريكي للعراق) إذن هو يتخصص بالعملية السياسية من حيث رصد فعالياتها، وإخفاقاتها، وسلبياتها. وبطبيعة الحال هذا ليس الجزء الأول، فالجزء الأول سبق أن صدر في العام 2006م، ويتضمن تغطية العملية السياسية منذ بداية مجلس الحكم وحتى عام 2005م، بداية العملية السياسية الحالية، أما الجزء الثاني وهو موضوع حوارنا فيغطي العملية السياسية من عام 2005م، حتى هذه اللحظة، التي يفترض بالانتخابات الأخيرة أن تكون مؤشراً على انتهائها. في الجزأين دَرَجْتُ على أن يكون الكتاب عبارة عن مجموعة حوارات تمت معي من قبل صحف مهمة ومواقع معروفة غـطّت هذه المرحلة بكل أجزائها، وكان غرضي من ذلك أن أُبَيِّـن أموراً مهمة؛ منها: أن هيئة علماء المسلمين كانت راصدةً بدقة لوضع العملية السياسية وكانت تستشرف بدقة مآلاتها، وبالتالي حينما يجد القارئ على سبيل المثال أننا منذ بداية عام 2005م نقول وعبر حوار مُوَثَّـقٍ في صحف أو مواقع انترنت منذ ذلك التاريخ أن العملية السياسية ستقودنا إلى الهاوية، ثم يأتي الواقع مطابقاً لما قلناه؛ هذا يعطي إشارة واضحة ومهمة وهو أن الهيئة كانت بالفعل دقيقة في تحليلها، دقيقة في تشخيصها، دقيقة في استشرافها للمستقبل.
وهذه بعض الأسباب التي دفعتني إلى أن أعتمد هذا الأسلوب في إنجاز كتاب السراب، سواء في الجزء الأول أو الجزء الثاني.
المهم في الموضوع؛.. حتى أعطي هذه الحوارات بعداً آخر في الفائدة أضفت أمرين مهمين: الأول الهوامش، والثاني الملاحق، والهوامش عبارة عن معلومات تضاف إلى أصل الحوار، فطبيعة الحوار عادة تملي على المحاوَر أن يدلي الرأي باختصار، أو يعبر عن الموقف باختصار، فكانت الهوامش فرصة لضخ المزيد من المعلومات والتوضيحات التي تكشف الكثير عن حَيْثِيّات هذا الموقف أو ذاك، والأمر الآخر: الملاحق؛ وهي في الغالب عبارة عن توثيق الموضوع من خلال عرض لبيان،أو وثيقة، أو من خلال عرض لصورة تسجل حدثاً ما؟ أومن خلال تسجيل أخبار أو حوارات قصيرة وُثِّـقت عبر الصحف أو عبر وسائل الإعلام الأخرى تؤكد ما تضمنه الكتاب، وهذا كله حملني على القول في مقدمة الكتاب: إن كتاب السراب هو عبارة عن ثلاثة أركان، الأول: أصله وهي الحوارات، والثاني :الهوامش، والثالث:الملاحق، وطلبت من القارئ الكريم أن ينظر إلى هذه الأركان الثلاثة بقدر متساو من الأهمية، وأن يدرك أن عنوان السراب كلمة تشمل هذه الأركان جميعاً.
صفحات مشروع بديل
المحاور/ أريد للجزء الأول من كتابكم السراب أن يكون وثيقةً تاريخيةً تُسجِّل حصاد العملية السياسية في ظل الاحتلال، وهو يحمل بين طيّات صفحاته مشروعاً بديلاً لها؛ بعد تشخيص الخلل الكبير فيها؛ فارتقى لأن يكون وثيقة إدانة للعمليات السياسية التي فرضها الاحتلال على الشعب العراقي، فهل سيبقى خط الكتاب على ما هو عليه؟
د. الفيضي: إن موضوع التوثيق هو أحـد أهدافه، وكتاب السراب لا يقتصر على موضوع التوثيق رغم أهميته، إنما هو يستعرض- وهذا المهم - موقف هيئة علماء المسلمين مما يجري..(رؤيتها للحل) ولذلك تجد في ثنايا الكتاب ما يمكن أن تنسج من خلاله مشروعاً وطنياً متكاملاً لإنقاذ العراق، ولا سيما الجزء الثاني الذي نتحدث بصدده، فهناك محطات مهمة تكشف عن رؤية الهيئة للحل في العراق وأنا قلت في مقدمة الكتاب حينما تكون الهيئة ذات دقة عالية في التشخيص وذات دقة عالية في الاستشراف فبالضرورة ينبغي أن تكون ذات دقة عالية في المشروع، ويفترض وبعد أن فشلت كل المحاولات لإنقاذ العراق أن يلتفت إلى ما تطرحه الهيئة من مشروع للإنقاذ، وهذا هو المهم في موضوع الكتاب.
معالم قراءة المشهد العراقي
المحاور/ رصد كتابكم بجزأيه فيما رصد المرحلتين السياسيتين الأخيرتين على نحو كشف للمتابع الكثير من بشاعتها وشذوذها.. ما الفرق بين هاتين العمليتين.. وما هي برأيكم معالم قراءة المشهد الجديد للعملية السياسيةالخامسة القادمة؟
د. الفيضي: هناك فرق بين الجزء الأول والجزء الثاني، من حيث إن الجزء الأول كانت العملية السياسية في بداياتها، وكان ملف الاحتلال هو الطاغي، فبالتالي المشكلات كانت بشكل عام محصورة، والتعامل مع الملف- في تقديري- كان أكثر وضوحاً، وأبعد ما يكون عن اللبس والغموض، لكن هذه المرحلة وهي(مرحلة عام 2005م إلى الآن) كانت المرحلة فيها أخطر، لأن المحتل دفع الناس إلى التوهم بأن لديهم حكومة منتخبة وأنها تمثل الشعب، وبالتالي فإن هذه الحكومة استغلت هذا الوهم واندفعت لتحقق أهدافها الطائفية(تطهيراً، وقتلاً، واعتقالاً). ومن الواضح جداً أن الاحتلال كان وراءها يدفعها ويؤازرها.. لذلك حدثت مشكلات عظمى وفتن كبيرة وأنماط من التغيِّـر في طبيعة هذا البلد على المستوى الديموغرافي، وعلى المستوى السيكولوجي، وعلى مستويات عديدة مما جعل هذه المرحلة أكثر خطورة من المرحلة التي سبقتها. ونحن الآن على أبواب مرحلة أخرى ربما تكون أيضاً متفوقة على ما نحن بصدده من الخطورة، لأن القادم سيأتي تحت شعارالتغيير وسيحاول تثبيت الاحتلال ومشروعه بأي ثمن.. نأمل أن المرحلة القادمة تكون أقصر وأن يكون لدى الشعب وعي بحيث لا يجعلها تطول على النحو الذي يحقق من ورائها المحتل أهدافه.
كيف ترون القادم
المحاور/ أشرتم في ختام مقدمة الجزء الثاني من كتاب(السراب) إلى أن ينعم الله بنهاية قريبة للوضع في العراق بحيث لا تضطرون إلى إصدار جزء ثالث بهذا الصدد، كيف ترون القادم..فهل المعالم تدعم هذه الأماني؟ أم أنكم تعدون قرّاءكم بجزء ثالث وفق المعطيات التي ظهرت قريباً في المشهد السياسي العراقي؟
د. الفيضي: أنا لا أتمنى أن أكتب جزءاً ثالثاً؛ لأن هذا يعني أننا سنخوض مرحلة سياسية أخرى، وأنا قلت بأن الكتاب قد تخصص في رصد العملية السياسية في ظل الاحتلال، أتمنى أن لا أكتب جزءً ثالثاً، وأتمنى أن يكون الجزء الثالث يتحدث عن نهاية العملية السياسية، وعن بداية المشروع الوطني وحينئذٍ سيكون هذا الجزء بعنوان آخر. نعم.. المتابع الدقيق للوضع العراقي يجد أن هناك مؤشرات بأن العملية السياسية القادمة ربما يصيبها الإخفاق في منتصف الطريق، والانهيار وهذا متوقع لأسباب..منها: أن قوات الاحتلال على وشك المغادرة في عام 2011م وسواءً وفى الأمريكيون بالخروج الكامل أو أبقوا بعض القوات فإن ما سيبقى من القوات هو جزء قليل أمام ما كان سابقاً، إذن سنشهد تغيراً في ميزان القوة في البلد وهذا سيفرز معطيات جديدة تجعل العملية السياسية- قطعاً- في مأزق كبير. والأمر الآخر هو ملامح الوعي لدى الشعب العراقي وبداية سلوكه طريق الجهر بالحق ودفع الظلم، فانتفاضات البصرة والنجف وبغداد والرمادي وديالى واعتصامات الموصل وغيرها أحداث مهمة لا ينبغي أن تمر مرور الكرام، لأنها تعطي مؤشرات على أن شعبنا لم يعد يحتمل المزيد من الظلم، ولدي استشراف بان هذا سينمو بمرور الأيام وهذا أيضاً سيضيف قوة أخرى تجعل من استمرار العملية السياسية التي رسمها المحتل أمرا صعبا للغاية. ولهذا فاستشرافي- والغيب لا يعلمه إلاّ الله- أنني لن أضطر إلى إصدار جزءً ثالث حول العملية السياسية في ظل الاحتلال، هذا على الأقل ما أرجوه،وأسأل الله سبحانه إياه.
التاريخ يحتاج الى شهادة
المحاور/ في بعض حواراتكم اعتمدتم على إحصاءات غربية في تقييم المشهد العراقي؛ وهكذا يفعل كثير من الكتاب ألا ترون أن التاريخ يحتاج إلى شهادة من هم داخل هذا المشهد،وأن إحصاءاتهم أولى بالاعتماد ،لا سيما أن الغربيين بشكل عام يحاولون تقزيم المشهد بأي صورة، وفي كثير من الأحيان فيضعون إحصاءات مغايرة للحقيقة، ودون الواقع بكثير؟
د.الفيضي: هذا واقع مفروض علينا شئنا أم أبينا، الرأي العام العالمي يعتمد إحصاءات لمنظمات معروفة مثل اللجنة الدولية لمنظمة الصليب الأحمر، ومنظمة العفو الدولية، ومنظمة الشفافية العالمية وغير ذلك..ومع أننا أخبر بالواقع لكن لا نُـعْتَمَد إحصاءاتنا في تقديري لأسباب بعضها وجيه وبعضها ليس كذلك ، ومن الوجيه أن العاملين في الداخل لا يملكون القدرة على الوصول إلى كل مساحات الحدث في العراق بسبب عقبات الاحتلال، وحكوماته،فضلا عن عدم توافر الإمكانات، والآليات المناسبة لإعداد مثل هذه الإحصاءات.
ثمة أمر آخر إن الكلمة من الداخل ستجد لها أكثر من مكذب، واتهامات بالانحياز بسبب وجود هذا الصراع. لذلك تعتمد ـ كما قلت ـ إحصاءات المنظمات العالمية الدولية، وهذه المنظمات في البداية كثير منها كان ممالئاً للاحتلال ويتغاضى كما يفعل المحتل عن كشف الحقيقة، لكن للأمانة منذ سنتين أو ثلاثة . بدأت هذه المنظمات ـ وربما أحرجت بسبب أن نظامها الداخلي يفرض عليها كشف الحقيقة ـ ترصد الأحداث الدامية والانتهاكات في شتى الميادين، ورصدها قد يكون دون الحقيقة لكن هو من دون شك يكشف عن حجم الكارثة في العراق، ونذكر بهذا الصدد التقريرين اللذين صدرا من اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ومن منظمة العفو الدولية في العام 2008م، فقد كانا تقريرين مهمين وصفا الأوضاع في العراق بـ(المذبحة واليأس،الوضع الإنساني كارثي، والعراق أزمة إنسانية لا تلين، والأوضاع في العراق الأكثر خطورة في العالم، وبمفردات أخرى) .
وكان لهذين التقريرين دورهما الإيجابي في لفت نظر العالم نحو مأساة العراق،ولذا نحن مضطرون إلى الاعتماد على هذه الإحصاءات لأنها مقبولة أكثر في العالم الخارجي، وفي كل الأحوال فنحن المهم لدينا كشف الحقيقة للعالم.
يتبع تتمة الجزء الثاني العدد القادم