نعمة وجود الوالدين على قيد الحياة لا يشعر بها إلا من فقدها   عدد القراء : 462   .


زينب الجميلي

الأم مخلوقة ضعيفة، تغلب عليها العاطفة الحانية، والرقة لها من الجهود والفضائل ما قد يتجاهله ذوو الترف، ممن لهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، ولهم قلوب لا يفقهون بها، هي جندية حيث لا جند، وهي حارسة حيث لا حرس، لها من قوة الجذب ومَلَكة الاستعطاف ما تأخذ به لبَّ الصبي والشيخِ كلَّه، وتملك نياط العاطفة دقّها وجلِّها، وتحل منه محل العضو من الجسد، بطنها له وعاء، وثديها له سِقاء، وحجرها له حِواء، إنه ليملك فيها حق الرحمة والحنان، لكمالها ونضجها، وهي أضعف خلق الله إنساناً، إنها مخلوقة تسمى الأم، وما أدراكم ما الأم؟
حينما نتحدث عن الأم فإننا نتحدث عنها على أنها قرينةُ الأب، لها شأن في المجتمع المكوَّن من البيوت، والبيوت المكونة من الأسر، والأسر المكونة منها ومن بَعْلِها وأولادها، هي نصف البشرية، ويخرج من بين ترائبها نصف آخر، فكأنها بذلك أمةٌ بتمامها، بل هي تلد الأمة الكاملة، إضافة إلى ما أولاه الإسلام من رعاية لحق الأم، ووضع مكانتها موضع الاعتبار، فلها مقام في الحضانة، ولها مقام في الرضاع، وقولوا مثل ذلك في النفقة والبرِّ وكذا الإرث وهذا لا ينفي دور الأب وأهميته كونه الراعي والمؤسس لكيان الأسرة وهو القائد والحامي والذي في ظله يستفيء الأولاد.
باب إلى الجنة
فالوالدان باب لك إلى الجنة كما في الحديث الصحيح ( الوالد أوسط أبواب الجنة فأحفظ الباب إن شئت أو ضيع) فهنيئاً لمن نافس غيره في بر الوالدين وليبشر برضوان الله تعالى، كما دل الحديث الصحيح (رضا الله في رضا الوالد وسخط الله في سخط الوالد  ... فمن كان والداه على قيد الحياة عليه أن يتحرى مقعده في الجنة بان يرعاهما ويصون حقوقهما ولكن للأسف، فإن بعض الناس في غفلة عن هذا الأمر الجليل مع شهرته ومعرفة الناس بفضله، فبعض الشباب يرفع صوته على والديه، وبعضهم يبخل بماله عليهم مع شدة حاجتهم وبعضهم يقدم رأي زوجته على والدته.. وهذه اكبر إساءة تقع في حق الأم بل هناك من تبات ليلها متألمة حزينة ودمعتها لا تفارق خدها.
إحترام وإجلال
بعض الأبناء لا يستأذن من والديه عندما يخرج، وخاصة عندما يكبر قليلا فيشعر وكأنه في حل من أي ارتباط بهما وينسى أن احترامهما واجب وفرض وان رضا الله من رضاهما والبعض الآخر من الشباب يهمل دراسته ولا يبالي بحرص والديه على الدراسة.. بل أنهم ينزعجون من متابعة والديهم لدراستهم وينظرون إلى أبويهم وكأنهم من عالم آخر .. وفي الجانب الآخر نرى من الفتيات من تعصي والدتها، بل وتجادلها وتعاندها وترفض طلبها لأنها لا توافقها على هذا الطلب والكثير منهن لا تساعد والدتها في عمل المنزل لأنها إما " نائمة،، أو كسولة أو...وبعض الفتيات لا تساعد أمها في غسيل الصحون ومعاناة الأواني المنزلية، لأنه لم تتعود، ولا تريد الروائح الكريهة التي تخرج من تلك الأواني... فعجباً لفتياتنا فأين بر الوالدين والتنافس في إرضائهما، والوصول عبرهما إلى جنة الفردوس ؟؟
التقوى والبر
من جهة أخرى إذا كنا منصفين فبعض الآباء والأمهات لا يعينون أبناءهم على البر بهما..فهذا الأب قاسٍ جداً مع أسرته لطيف جدا جداً مع أصدقائه!! ناسياً ما عليه من واجبات اتجاه أسرته وان تربية أولاده لها أولوية على كل ما هو مهم في حياته .. إن الابن يتلطف ويريد البر ولكن الأب معاند فكيف يقع البر؟ وهذا الابن جاء إلى والده ليقبل رأسه ولكن الأب رفع صوته عليه ونهره فكيف يحصل البر؟ وهذه الفتاة جاءت لوالدها بكل رحمة ولطف لتجلس معه وتتحدث معه، وإذا به يطردها ويأمرها بمذاكرة الدروس ... إن قضية البر بالوالدين لها صلة بالبر بالأبناء والواجب على الجميع فتح الباب ليتم البر بالطرف الآخر، والأمر سهل على من يسره الله عليه.  وقد قيل (كما تدين تدان) والحياة حقوق وواجبات فالبر من أعظم الأمور التي ترجع على صاحبها بالنفع في دنياه وآخرته وليس البار فقط إنما أيضا أبناؤه لأنهم سينتهجون نهج أبيهم في سلسلة متتالية عرفتها الحياة وقيمتها منذ قديم الأزل.
وإذا أردنا أن نتعلم ففي سير الأسلاف عظةٌ، وفي مواقفهم خير وعبرة، والخنساء (رضي الله عنها) عُرفت بالبكاء والنواح، وإنشاء المراثي الشهيرة في أخيها المتوفَّى إبان جاهليتها، وما أن لامس الإيمان قلبها، وعرفت مقام الأمومة ودور الأم في التضحية والجهاد في إعلاء البيت المسلم ورفعة مقامه عند الله، وعظت أبناءها الأربعة عندما حضرت معركة القادسية تقول لهم: إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، وإنكم لابْنُ أبٍ واحد وأم واحدة، ما خبث آباؤكم، ولا فُضحت أخوالكم. فلما أصبحوا باشروا القتال واحداً بعد واحد حتى قُتلوا، ولما بلغها خبرهم ما زادت على أن قالت: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته. هذه هي الخنساء فأين جملة من رائدات نهضة الأمومة منها؟ هذه هي الخنساء فأين المتنصِّلاتُ عن واجب الأمومة منها؟ إن جملة منهن - ولاشك - أقصر باعاً وأنزل رتبةً من أن يفقهن مثل هذا المثل، ربما كرهت إحداهن أن تكون أُمًّا لأربعة، ولو تورطت بهم يوماً ما لما أحسنت حضانتهم وتربيتهم، فلم تدرك ما ترجو، ولم تنفع نفسها ولا أمتها بشيء طائل، وكفى بالأم إثماً أن تضيِّع من تعول. وفي مثل الخنساء تتجلى صورة الأمومة على وجهها الصحيح، وما ذاك إلا للتباين الذي عاشته في جاهليتها وإسلامها، ومن هنا يظهر عظم المرأة، ويظهر تفوقها على رجال كثير مع أنوثتها وقصورها عن الرجل، ولو كانت الأمهات كأم سليم، وعائشة، وأم سلمه، والخنساء، لَفضُلتْ النساء على كثير من الرجال في عصرنا الحاضر. قال تعالى:(فالصالِحاتُ قانِتاتٌ حَـافِظَاتٌ للغَيبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ ).