(سوبرمان) عراقي !   عدد القراء : 1040   .

بعد غزو العراق لم تسقط صورة البطل الامريكي المزيف فحسب في نظر العراقيين والشباب خاصة منهم الذين ادمنوا مشاهدة افلام هوليوود.. إنما تشكلت صورة أخرى للبطولة الحقيقية الاستثنائية في اغلب الاحيان صنعها المجاهد العراقي.. ومنها التي اجترحها بطل قصتنا هذه.. الذي لم يكن سوى ذلك الانسان الحييّ المألوف بعكس (السوبرمان) الامريكي اللاحييّّّّ واللا مألوف واللاحقيقي أصلاً..
كان شاباً عادياً لملامح ضائعة تقليدية بروحية مسالمة قبل ان يهديه طريق الله الذي كان ملتزماً بفرائضه فحسب.. إلى المقاومة بعد شهرين من انطلاقها، اذ سارع لمجرد ان سمع باخبار العمليات التي بدأت تتزايد في بغداد العاصمة، إلى البحث عمن يدله إلى المقاتلين لينضم إلى صفوفهم، وفيما عدا شيء من القلق الممزوج بالغضب اخذ يظهر على سلوكه في العائلة ومع اصدقائه حين يأتي ذكر الاحتلال امامه، لم يكن بطلنا يترك لدى من يعرفه قبل الالتحاق، أي انطباع بأنه يمكن ان يكون مقاتلاً ومقاتلاً متميزاً في يوم ما.. حتى ان أباه فوجئ بهذا الابن الطيب الهادىء يقول ذات ليلة، اعذرني يا ابي غداً في الفجر سأذهب إلى مكان ما مع اصدقاء يعملون (على حب الله) من اجل خلاص البلد من هذا الكابوس.. قل لأمي أن تدعو لي!
وبعد تحرير البلد سأكمل السنة الاخيرة من كليتي فلا تغضب مني!
كان يزور البيت مرة في الاسبوع تقريباً، وقد يلتقي تحت جنح الظلام بعض اصدقاء الدراسة.. ولكنه في طريقه الجديد اصبح بعد ما يقارب العام من انضمامه إلى المجاهدين، مقاتلاً متمرساً يكاد يكون من المتخصصين في تنفيذ العمليات النوعية التي تتطلب جهداً قتالياً فريداً.. وأخيراً جاء اليوم الذي كلف فيه بعملية كبيرة وصعبة اذ تتميز بأنها تتطلب مواجهة مباشرة مع قوات الاحتلال وفي مكان شبه مكشوف ومخارج الانسحاب شبه (ميتة).. كيف لا والقتال سيدور فوق جسر وجسر عريض على طريق المرور السريع وذلك بعد ان تقوم السيارة المفخخة المكلفة بمباغتة الرتل الامريكي من جهة المقتربات لتفسح في المجال للمقاتلين الثلاثة (ومنهم بطلنا) للمباشرة بحصد بقية الرتل..
حين كان المقاتلون الثلاثة يهمون بالانسحاب بعد تدمير (4) عجلات (همر) وتناثر اشلاء ما يقارب ال(12) جندياً امريكياً بين قتيل وجريح.. هرع اثنان من المقاتلين إلى عجلة ال(بيك كب) المنتظرة في منعطف ترابي ضيق قريب من احدى مقتربات الجسر.. غير ان المقاتل الثالث لم ينسحب بل هرع إلى منتصف الجسر تقريباً ليصبح مطلاً على طريق المرور السريع اسفله وعرف رفاقه على الفور على خلفية معرفتهم بطباعه الجهادية الخاصة ومع اقتراب رتلين امريكين، احدهم في اتجاه الذهاب والآخر في اتجاه الاياب في مصادفة غير تقليدية..
عرفوا أن رفيقهم في طريقه إلى ان يخوض معركته الخاصة به بوجود كل هذا (الصيد) الغزير والثمين في متناول مهاراته البطلية النادرة..
كان البطل يتقافز على طرفي الجسر فيوجه ضربة بقاذفة ال(اربي جي)إلى رتل الذهاب ويتحول بسرعة خارقة كأنه الطير إلى الجهة الاخرى ويلقي بالرمانات اليدوية المتلاحقة على رتل الاياب حتى اصبح المشهد لا سيما بالنسبة إلى من تسنى لهم المراقبة من بعيد على اسطح بيوتهم.. كائن ملثم صغير يحلق وحيداً باسلحته اللاهبة على الجسر فيما تنتشر على طرفي المرور السريع تحت الجسر حرائق وادخنة عجلات الرتلين الامريكيين واجساد جنود الاحتلال القتلى والمصابين وهرولة الجنود الآخرين إلى اية مواضع ممكنة على جانبي الطريق..
غير ان امراً واحداًغاب عن بال مقاتلنا الاستثنائي المنشغل بتعظيم حصته الجهادية الفذة مثلما غاب عن بال رفاقه الذين قرروا انتظار انسحابه في لحظة اختيار صعبة بين الاوامر وبين مستجدات المعركة.. ذلك ان مروحيات الاحتلال التي كانت تحلق بكثافة فوق الرتلين، استطاعت واحدة منهن ان ترصد حركة المقاتل وهو ينسحب بخفة خارقة إلى عجلة رفاقه.. وبعد لحظات تابعت فيها المروحية حركة العجلة في الطرقات القريبة، اطلقت صاروخاً نحو العجلة كان كافياً لتدميرها.. وكان ذلك قبل ان ينتبه رجال المقاومة لهذا الأمر ويجدوا الاسلوب الملائم لتفادي ضرره.
كانت معركة الجسر هذه ذات المقاتل الوحيد الواحد الذي عصف بجيش بأكمله.. قريباً من الحي السكني الذي تقطنه عائلة واصدقاء البطل وكان الشباب الذين قدر لهم ان يتابعوا المعركة من بعيد.. يتداولون بينهم عبارة واحدة لا غير.. (سوبرمان عراقي) ولم يكونوا لحظتئذ، قبل ان يصل خبر استشهاده إلى الحي، يعرفون ان هذا (السوبرمان) لم يكن سوى صديقهم المسالم ضئيل الجسد ذي الملامح الضائعة التقليدية.. قبل ان يتحول إلى مجاهد اسطوري.. ولماذا اسطوري؟!.. انه منا وبيننا وهناك المئات وربما الالاف من امثاله يسيرون مثله اليوم على الطريق البطولي الفريد.