عناق الأرواح في زنزانة المستكبرين   عدد القراء : 1228   .

أنين القيود
هاهي القيود في قدميه تئن مواسية إياه:
(ارجوك عذراً، واستميحك عفواً وصفحا.. اياك اعني.. نعم.. وعفوك اريد وأسال. فإن يد القدر التي جعلتني قيوداً، قد جعلتك بي مقيداً.
ها انا ذا الثم قدميك حباً وعشقاً واكراماً، راجية صفحك وعفوك، فقد اثقلت قدميك الماضيتين في الجهاد، اللتين طالما اسرعتا نحو احقاق الحق وازهاق الباطل.
يا ويح نفسي.. ما لهذا صنعت ولا من اجل هذا أنزلت..
ها قد اختلط دمعي عليك بعرق قدميك..
واني لأرفض منتحبة ان اكون قيوداً تكبل اقدام الاحرار امثالك، بل اني لأرجو وارنو بشغف ان اكون وسام شرف وعزة ومجد يزين طودك الشامخ الأبي.
أمنية القيود
فلكم رجوت وتمنيت ان تصيغ يد الحداد مني مفاتيح لمغالق الأبواب فتحرص الايادي عليّ، او دراهم تحط على ايدي الفقراء البائسين واليتامى المنكسرين كحمائم الرحمة والحنان، فتبتهج نفوسهم لمرآي وتتلألأ وجوههم للُقياي، وتمتلئ بطونهم الخاوية او تكتسي اجسادهم العارية..
لكم رجوت ان تصاغ مني سهام تنسل مستقرة في قلوب الاعداء المستكبرين، او سيوف تقذف باعناق الغزاة الظالمين او رماح تقرع جمامم العتاة الغاصبين.
ولكم ارجو ان اكون لقدميك اكليل افتخار لا قيود انكسار.
نداء ورجاء
صفحاً يا ابن الشجاعة المحمدية.. يا قلب اسد في ثوب انسان صفحاً.. فرقة قلبك المكلوم أشعر بها تمتزج بذراتي ولطيف خلقك الايماني احس به يسري في كل حلقة من حلقاتي رقة.. ولطفاً.. ودماثة تكاد من فرط صفائها ان تذيبني وانا الحديد ذو البأس الشديد.
الحوار الطاهر
مهلاً يا قيودي.. لا تئني انين الحسير، ولا تنتحبي انتحاب الكسير.
فما كنت منك في خوف حيناً، ولا وجلت من لقياك يوما.
انت الصديق لكل حرٍ أبي أبى كبر الغزاة الكالحين.
ولا بد لأقدام الأحرار من عناقك، والعيش ليالي بين احضانك...
ها قد جمعتنا بطن الظلمة واحشاء السجون.
فكوني لي خير صديق يا رفيقة المجاهدين الاحرار ومؤنسة الاباة الثوار.
اعلم ان صريري ثقيل قبيح كئيب على مسمعك الطاهر الذي أرهف بأناشيد الحق والنصر والايمان وتسابيح السحر الملكوتية، وتراتيل الذكر الحكيم.
رفقاً بنفسك يا قيودي لا تئني.. فأنت رفيقة الليالي الظلماء وصريرك زغردة النصر على الاعداء الغزاة الغاشمين..
صريرك يا رفيقة وحشتي ووحدتي ليبدد اشباح الصمت الرهيب المريب من اركان المكان الكئيب، فيتردد صداه يملأ دهاليز وأقبية السجون هاتفاً :(ها هو الحق ينبض بحرارة الايمان الدافق، والشر قابع في الخارج خائفاً يترقب).
يا رفيقة الوحدة الموحشة لا تتألمي على روحي، فروحي حرة طيلقة لا تكبل بالحديد ولا تستعبد بسوط عذاب.
تسبح في ملكوت الله المجيد. تقدس اسمه مع المحبين، وتترنم بذكره مع الذاكرين فتنسى ألم السياط ولهيبها وظلمة المكان ووحشية بعض بني الانسان.
روحي تجوب في آفاق المحبة الربانية تطالع ما أعد الله للصابرين المؤمنين المتقين.
فتمتزج حلاوة ما ترى وتطالع بما يحيط بها من مرارة الواقع فتذوب المرارة وتتلاشى بحر الحلاوة التي تطغى وتتعالى.
ثم تطوف روحي مرة أخرى لتطالع ماضي الصابرين الواثقين الثابتين ثبات الجبال الراسيات الراسخين رسوخ الحكمة في قلب لقمان.
تطوف بي روحي فأرى بلالاً يزأر :(أحدٌ .. أحدٌ..) ساخراً من العتاة كما يسخرون، غير عابئ بالصخرة الصماء الساخنة فما اثقلت روحه الحرة الابية وانما جسده الفاني الضعيف.
أرى الصيف والشمس في قلب السماء وأرى الحرارة تنهش ذلك الجسد الاسود الذي كان صخرة من يقين واحتساب تحت صخرة من تراب وعذاب.
وتطوف روحي.. فتعانق روحه البيضاء الصافية الطاهرة النقية البهية، والشفافية المتلألئة فتقتبس من نورها ما شاء الله لها ان تقتبس.. ثم تودعها باسمه راضية مشتاقة.. وقد رأتها لابسة جسداً غير الجسد الاسود، وغدت تمرح وتطوف في الفردوس الأعلى قرب محمد الحبيب، خير خلق الله واصفاهم روحاً ونفساً وخلقاً وثلته الطاهرة المكرمة في موكب المحبة والنور والسلام.
ثم تطوف روحي.. يا قيودي الاسيرة في اقدامي.. فأرى عماراً وقد اشعلت السياط ظهره، لكنها لم تحرق عزيمته او روحه، ونالت من دمه حراب الظلم وخناجر الكفر والشرك والجحود لكنها لم تنل من عزته وايمانه وصبره.
فقبلت روحي روحه الزكية وعانقتها عناق المحب للحبيب بعد طول فراق ولوعة اشتياق.
وعادت تطوف...
بأم عمار.. وأبيه.. حتى وصلت الى خبيب الحبيب... خبيب بن عدي.. على صليبه يتقاطر دماً امتزجت به كل آيات التضحية والفداء في سبيل الله والحق والاسلام.
والعقبان جائعة حائمة فوق رأسه متربصة لحظة الانقضاض!
يا حبيبي يا خبيب.. أهكذا يتجرأ الكفر على الايمان؟!
أهكذا يفعلون بمن أراد لهم الخير والايمان والجنة والنعيم؟!
أهكذا يفعلون بمن أراد لهم النعيم الابدي السرمدي والسلام المطلق؟!
فأجابتني روحه النقية :(لا عليك انما هو جسد كالثوب يبلى ويفنى صلب ام ثقب. قطع أم عذب).
فقالت له روحي مستأنسة بحديثه العذب الكريم :(حتى جسدك اختفى، وابتلعته بطن الارض اكراماً لك يا حبيبي يا بليع الارض ونزيل السماء، معجزة من الله تصفع عيون المنكرين المعاندين الجاحدين، علّ قلوبهم ان تستيقظ وعقولهم ان تنتبه وتبصر).
ثم ودعته راجية لقاءه بين يدي النبي الكريم، على الحوض العطر في عرس الالق البهي، مع المحبين الانقياء الاصفياء الطاهرين.
وهاهي روحي تطوف وتجوب فتلقى روح ماشطة ابنة فرعون وارواح براعمها الصغار الخمسة، فيتعطر الموكب سلاماً واكراماً وشذى فواحاً وسكناً يترنم بعطر الشهادة البريئة.
قلت لروحها وارواح ابنائها الغضة الطرية: (ما اسعدكم ايها الشهداء الاطهار.. في حضرة النور انتم تمرحون، وفي الفردوس البهيج تغدون وتروحون.. لا تعب ولا نصب.. ولا خوف ولا حزن.. أنس أبدي.. وطرب نوراني..
ونعيم لا ينغصه انقطاع او انتهاء.
رفقة خير خلق الله... الطهر يحتفي بكم.. والنقاء يتلألأ بعناقكم.. المحبة والسلام عبير تتنفسونه، وعطر تستنشقونه، وفي موكب النبي الحبيب انتم حاضرون.. ما أسعدكم.. يا لها من سعادة فيها تحبرون. ليتني كنت معكم فأفوز فوزاً عظيماً).
فأجابتني ارواحهم جميعاً بصوت عذب يموج جمالاً وينبع طمأنينة :(بفضل الله وبرحمته سبحانه ربنا له الحمد حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم ملكوته وسلطانه).
قالت روحي :(له الحمد ربنا.. انجاكم من نهش مخالب فرعون العمياء المتوحشة الى يده الفياضة بالعطف والحب والرحمة والامان.
اينزع الرضيع من ثدي أمه ليقذف في حميم الزيت الفائر المتميز غيضاً ومازال حليبها يبلل شفتيه الورديتين؟!
او من أجل (ربي وربكم الله) يقذف بالجسد الغض البض الطري في انياب الزيت المغلي بنيران الكبر والكفر والجحود؟!).
قالت ارواحهم البراقة الطاهرة :(لا عليك ففي سبيل الحق وفي سبيل الله كل شيء هان.. انما هو جسد كالثوب يبلى ويفنى شوي ام كوي هرّئ أم ذرّي).
ثم اهدتني باقة قزحية من زهور السعادة الابدية..
فقالت روحي مودعة ارواحهم المنعمة في موكب المحبة والنور والجلال :(اللهم يا صبور امنن علينا بعتاد الصبر ودرع الثبات واكرمنا بحصن محبتك الحصين، وزدنا يا رب اكراماً بلقياهم في فردوسك الابدي البهيج.... آمين).
يا قيودي.. انا لست اسيراً، وانى لهم ان يأسروني!
انما أسروا جسدي الفاني البالي.
ها هي سماء المحبة الالهية تشرق باسمه امامي من وراء شمس الهداية القرآنية..
هاهم اصحاب رسول الله كالنجوم امام ناظري..
ومحمد رسول الله بدر في قلب السماء يضيء الكون ويبدد الظلمة، ويزين الانسانية باجمل معانيها..
كيف لهم ان يحبسوا نسيم التسبيح الذي استنشقه؟!
كيف لهم ان يكبلوني ويمنعوا عني الحرية، والحرية في دمي تجري؟!
اخشى عليك من الوحدة المخيفة فإنها تملأ الرأس بأشباح الهموم.
كيف للوحدة الموحشة السوداء المظلمة الباردة برودة جلد افعى سامة ان تنال من روحي او من نفسي واحب الاحباب معي، واقرب اليّ من حبل الوريد؟!
أناجيه في كل لحظة، واهمس باسمه العظيم مع كل نفس.. اطلب رضوانه مع كل نبضة وخفقة لقلبي المملوء بحبه؟!
معي تسبحه زنزانتي وانت يا قيودي تمجدينه، وقضبان زنزانتي لا تسهو عن تمجيد اسمه العظيم في موكب التمجيد والتسبيح والاستغفار...
كل ما يحيط بي يبرأ الى الله من ظلم الظالمين وبغي العتاة المستكبرين.
تعلمت الصبر من قضبان زنزانتي الشامخة الى العلياء.. فهي اسيرة الظلم من قلبي، وستبقى اسيرته من بعد خروجي... لكنها في صبر أيوب، ولا تفتر عن التسبيح في رضا ايماني عظيم.
ظلمة الزنزانة لا تخيف، لأن قلبي يشع بنور الايمان والصبر والرضا والمحبة فيفيض نوره متدفقاً على ما حولي، فتهرب الظلمة وتختبئ خلف الجدران خائفة وجلة صاغرة.
عرفت كثيراً ممن عاشوا في الاهل وبين الاصدقاء، وحولهم الاحباب والاقارب والجيران والاخلاء والخليلات. لكن مشاعرهم طفحت لي بوحدة مكتومة وفاضت بوحشة تمزق نياط قلوبهم، لا اجد منها شيئاً وانا اقبع في ركن هذا الدهليز المظلم!
عرفت اخرين كثير.. كانت شمس النهار الوهاجة تغمرهم من بين ايديهم ومن خلفهم وعن ايمانهم وعن شمائلهم ثم لا تجدين اكثرهم سعداء او فرحين!
وفي الليل.. فالاضواء من كل لون قد تراقصت من حولهم فأحالت ليلهم نهاراً، لكن الظلمة كانت مطبقة انيابها المسمومة على القلوب، فما عادوا يرون شيئاً او يحسون بشيء وكانهم قد رزحوا تحت ظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض!
حقاً.. اذا اظلم القلب اظلم الكون المنير.
واذا استنار، انار كل ما في الوجود.
فحمداً لصاحب الملكوت الاعظم، والجبروت الاقدم ان انار قلبي بالايمان وخلقي بالاحسان.
يا قيوداً توجت قدمي...
كيف للوحدة ان تمزق نياط قلبي ورب العرش العظيم ينزل كل ليلة الى السماء الاولى نزولاً يليق بجمال وجهه وعظيم سلطانه لينادي عباده ويناجوه، فيؤنس الوحيد والضعيف والاسير والكسير، والجريح والطريح والمسكين والفقير والمظلوم والمحروم؟!
ينادي جل نداؤه وتقدست علياؤه :(هل من داع..فاستجيب له دعاءه؟ هل من مستغفر.. فاغفر له؟ هل من مظلوم فانصره؟).
ها انا ذا يا الهي.... ها انا ذا يا حبيبي...
ها انا ذا يا مالكي..
يا غيث المستغيثين... يا الله...
ثم نظر الى قيوده وقد سكنت سكون الطمأنينة، وهدأت هدوء الطفل في حجر أمة، وهمس اليها بحنان: (الا يا قيود الفخر والاعتزاز تفتّحي عن زهور الصبر والمجد والايمان..
وتعالي نرتل الأنشودة التيمية البهية:
(جنتي في صدري.. ان سجنوني فسجني خلوة.. وان قتلوني فقتلي شهادة.. وان نفوني فنفيي سياحة..) وتعالي نأنس بالوحي العظيم، ونسبح الله الملك القدوس المجيد معا...
ونرجوه العفو والرحمة والرضوان...