| الزكاة   عدد القراء : 739   . ليث سلمان
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد. فلقد اطل علينا هلال شهر رجب قبل عدة ايام ولقد اعتاد المسلمون اخراج زكاة اموالهم في هذا الشهر والحق انهم متبعون بهذا المسلمين في عصر صدر الاسلام فقد روي عن سيدنا عثمان بن عفان (رضي الله عنه) انه صعد المنبر في اوائل شهر رجب فقال: ايها الناس هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤد دينه حتى تخلص اموالكم فتأدون فيها زكاتكم. للمسلم اخراج زكاته في اي ايام السنة شاء اذا اكتمل النصاب لديه وحال عليه الحول. والحقيقة ان هناك تساؤلات تثار حول اصل مصطلح الزكاة ما معنى الزكاة كيف تؤدى من متى فرضت الزكاة هل الاسلام هو اول من أوجد الزكاة ام هناك ديانات او حضارات سبقت الاسلام في هذا المضمار؟؟. الزكاة لغة: النماء والطهر والزكاة في الاصطلاح: اخراج جزء من المال من رأس المال الكلي اذا بلغ حدا معينا وفي توقيت محدد ويؤخذ من الاغنياء ليصرف على الفقراء إذاً الزكاة وجدت بوجود الفقير. اذا تجولنا في انحاء المعمورة في الازمنة القديمة الموغلة في القدم وجدنا ان المجتمعات على مر الزمان تنقسم على طبقتين ثنتين فقط هما؛ طبقة الاغنياء وتنمو وتتسع وتتضخم وتزداد شراسة وتضخما وطغيانا واظطهادا للطبقة الاخرى وهي طبقة الفقراء. وطبقة الفقراء طبقة بائسة تعاني الفقر والجوع والمرض ويزداد شقاؤها مع الايام حتى تبلغ درجة الموت فقراً. 1-في مصر القديمة بلاد النيل كانت ارضها جنة الله في الارض وكانت ثمارها تكفي لإطعام أضعاف اعداد شعبها ورغم ذلك فالفقير لا يكاد يجد ما يأكل هو وعياله. 2-وفي مملكة بابل بلاد الرافدين لا يختلف الحال عن حال مصر فرغم الزراعة والفلاحة والخير الوافر الا ان الفقير يتضور جوعا. 3-وفي بلاد فارس كان الحال اسوأ بكثير فكان الجوع والاضطهاد سمة الفقير حتى يكاد يبيع عرضه من اجل لقمة عيش؟!. 4-اما اليونان(إلاغريق)الأقدمون فقد كان الاغنياء(امراء وجنداً وكهنة) يسوقون فقراءهم كما الدواب ولأتفه الاسباب قد يقتل الفقير ويذبح كما تذبح الشاة. هذه حال الدنيا منذ القدم. ولكن من الانصاف ان نقول كانت في بعض انحاء الارض وفي فترات من الزمن تتعالى اصوات انسانية من بعض الشرفاء هنا او هناك تنادي بحقوق الفقراء وتحث على إعانتهم. ففي بلاد الرافدين قبل اربعة الاف سنة كتب حمورابي في شريعته وهي اول شريعة ارضية في التاريخ يقول: إن الالهة ارسلته لمنع الاقوياء من اضطهاد الضعفاء. وفي مصر قبل الاف السنين كان الناس يصرخون بالقول: أنا اطعمت جائعاً خبزاً او كسوت عريانا او احسنت الى يتيم او ارملة ؟ ورب من يتساءل فما بال الاديان السماوية والانبياء والرسل الذين بعثهم الله تعالى؟. ونقول: نعم كانت اصوات الانبياء اجهر واقوى في ندائها إلى إغاثة الفقير واعانته. ولقد قال القرآن الكريم عن ابراهيم واسحق ويعقوب(َوَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ ). وتحدث القرآن عن اسماعيل(وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّا). وعن ميثاق بني اسرائيل(لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ). وعلى لسان المسيح عيسى ابن مريم(وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً) وعن اهل الكتاب(وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ). وجاء في التوراة : (من يسد اذنيه عن صراخ المسكين فهو ايضا يصرخ فلا يستجاب له)(الهدية في الخفاء تطفئ الغضب) وفي الانجيل:(احترزوا ان تصنعوا صدقتكم قدام الناس لكي ينظروكم والا فليس لكم الاجر عند ربكم الذي في السموات).وهذه نماذج رائعة من الاقوال جاءت في الكتب السماوية وهي تدور حول الحث على فعل الخير واعانة الفقير.. لكن اذا دققنا النظر فيها وجدنا انها: 1-ليس فيها إيجاب وإلزام على الصدقة وفعل الخير بل هي تحريض وترغيب فقط. 2-وكلت الامر الى اختيار الانسان وطواعيته. 3-لم تحدد مالا أو وقتاً او كيفية لاخراج الصدقة. وخلاصته القول عبر هذه النصوص: بقي الفقراء تحت رحمة الاغنياء ومزاجهم وأهوائهم.. حتى جاء الاسلام وبعث الرحمة المهداة..فقير من فقراء مكة أميّ من الاميين في مكة بعث بكتاب عظيم وشرع عظيم وفرضت الزكاة في السنة الخامسة للهجرة في المدينة المنورة وذكرت الزكاة في اكثر من ثلاثين مرة في القرآن. وجاءت الايات تحرض وتحث وفيها الوعد والتبشير قال تعالى: (مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ). وصحب هذا الوعد والتبشير الوعيد والتحذير فقال تعالى(وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ). كما حث النبي (صلى الله عليه وسلم) على الصدقات وبين ما لفاعلها من الاجر والثواب فقال: 1- (ما تصدق احد بصدقة من طيب الا اخذها الرحمن بيمينه وان تك تمرة فتربو بكف الرحمن كما يرُبي احدكم فلوّه وفصيله). 2-(ثلاثة احلف عليهن واحدثكم حديثا فاحفظوه: ما نقص مال من صدقة وما فتح عبد على نفسه باب مسألة الا فتح الله عليه باب ذل وما ظلم عبد فغفر الا أعزه الله. 3-ما من يوم يصبح فيه العباد الا وملكان ينزلان احدهما يقول اللهم اعط منفقا خلفا ويقول الاخر اللهم اعط ممسكا تلفا. وصحب هذا الوعد والتبشير من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الوعيد والانذار فقال: (من اتاه الله مالا ولم يؤد زكاته مثل له ماله شجاعا اقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ياخذ بلهزمتيه(شدقيه)فيقول انا مالك انا كنزك ثم تلا قوله تعالى(وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ). الحقيقة؛ فلسفة الاسلام في نظرته الى المال الله أنه مال الله وان كل شيء في الكون ملك لله تعالى(وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)وان الانسان منصبه فيها هو الاستخلاف والائتمان فقال تعالى(وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ)(وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ). وعلى هذا مطلوب من الانسان ان يتخلى عن جميع ما يملك وليس حق التصرف في قليل فضلا عن كبير. ولكن حكمة الله اقتضت ان تمنح للانسان ثقته بنفسه وبجهده وعمل يده وتجارته فاضاف المال الى الانسان اكثر من اضافته لنفسه: (مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ)(وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم)(وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ). بل ذهب الله بكرمه الى ابعد من ذلك فسمى الصدقة التي يخرجها الانسان في سبيل الله اعانة لاخيه الفقير (قرضا لله) فقال:(مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً). ولما نزل قول الله تعالى(مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً ) قال ابو الدحداح متعجباً: يا رسول الله اويستقرض الله من عباده فقال (صلى الله عليه وسلم) نعم يا ابا الدحداح قال ابو الدحداح:امدد يدك اشهدك اني اقرضت الله بستاني الذي لا املك غيره ثم انطلق الى بستانه واذا امرأته تعمل في البستان فصاح يا ام الدحداح فقالت: لبيك يا ابا الدحداح قال اخرجي فقد اقرضت البستان لله تعالى قالت ربح بيعك يا ابا الدحداح ربح بيعك. اتقوا الله ايها الناس واخرجوا زكاة اموالكم انظلاقا من ان المال مال الله ونحن امناء مستخلفون فيه وصدق الله العظيم(إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ). واذا اخرجتم صدقاتكم فاخرجوا من طيب اموالكم لاني رديئها (َلَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ). واخر دعوانا ان الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
|