جواز الانتخابات للولايات العامة عند العلماء   عدد القراء : 1910   .

إن المسلمين لن يستطيعوا تحقيق كل المصالح ولا دفع كل المفاسد لأن المسلمين ليسوا وحدهم في بلادهم، إذ أن القاعدة الشرعية المتفق عليها تقول: ((ما لا يدرك كله لا يترك كله)).
ويوضح ابن تيمية ذلك وفق فقه الموازنات بقوله: ((فمن ولي ولاية يقصد بها طاعة الله وإقامة ما يمكنه من الواجبات واجتناب ما يمكنه من المحرمات لم يؤاخذ بما يعجز عنه، فإن تولية الأبرار للامة خير من تولية الفجار حتى وإن لم يستطيعوا أن يحكموا بكل ما أنزل الله إذا عجزوا عن ذلك)) مجموع الفتاوى (369/28).
فإذا كان الواجب شرعاً تغيير كل المنكر إذا قدرنا عليه، كذلك يجب تغيير بعضه إن عجزنا عن تغييره كله، وهذا من قبيل الممكن والمستطاع، إذ أن التدرج في التغيير سنة نبوية متبعة وفقه راسخ للعلماء والدعاة، لأن فقه التمكين والخلافة يختلف عن فقه الاستضعاف وعدم التمكن، المتمثل في فقه الفرد وفقه الجماعة.
وفي هذا يقول ابن تيمية: ((فالعالم في البيان والبلاغ قد يؤخر البيان والبلاغ في بعض الاشياء إلى وقت التمكن كما سكت الشارع في أول الأمر عن الأمر بأشياء أو النهي عنها حتى علا الإسلام وظهر، ولا يكون ذلك من باب إقرار المحرمات وترك الأمر بالواجبات..)) مجموع الفتاوى (59/20).
ان تغيير الباطل والمنكر لا يتحقق بمقاطعة أهل الباطل وترك البلاد خالية لهم، لا بد من الدخول في العملية السياسية ومنافسة أهل الباطل ومقارعتهم بالحجة والدليل والسياسة والحكمة، خاصة إذا كانت القوة والسلطة لأهل الباطل.
وهذا كله يدور حول الفقه للأحكام الشرعية ومقاصدها، وعلى معرفة لفقه الواقع وفقه الأولويات وفقه المرحلة، وفقه الموازنة بين المصالح والمفاسد والذي يساند المقاومة الرشيدة ومشروعية الترشيح للمجالس النيابية والمشاركة فيها وتولي الولايات العامة وقبولها في ظل أنظمة غير إسلامية.
1- من خلال طلب يوسف (عليه السلام) الولاية والمشاركة في مجتمع مشرك لا يقوم الحكم على شرع الله، استدل شيخ الاسلام ابن تيمية (رحمه الله) على مشروعية تولي الولايات العامة في الدولة الظالمة بل الكافرة، (مجموع الفتاوى 493/14، 324/15، 56/20، 148/20).
2- ومثله استدل المفسرون منهم ابن عطية والزمخشري والبيضاوي والشوكاني والقاسمي والآلوسي في تفاسيرهم على مشروعية المشاركة في الحكم غير الإسلامي إذا ترتب على ذلك مصلحة كبرى أو دفع شر مستطير ولو لم يكن بإمكان المشاركة أن تغير في الاوضاع تغييراً جذرياً.
3- وأفتى إمام نجد العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي جواز ذلك بل وجوبه (تفسير تيسير الكريم الرحيم 457/3).
4- وقال بالمشروعية سلطان العلماء العز بن عبد السلام، (قواعد الأحكام 73/1).
5- ومثله قال الإمام ابن عابدين، (حاشية ابن عابدين 175/4).
6- وقاله الشيخ الدكتور محمد علي الصابوني في مختصره لتفسير ابن كثير (250/2).
7- وأفتى الشيخ عبد العزيز بن باز بجواز ذلك لما فيه من تأييد للحق وعدم الموافقة على الباطل (الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة ص25).
8- وقال بذلك الشيخ محمد بن صالح العثيمين، (دليل الجمعية ص39).
9- ووافقه على ذلك فضيلة الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق في كتابه (المسلمون والعمل السياسي) و(فصول من السياسة الشرعية في الدعوة إلى الله).
10- إن الشيخ محمد أمين الشنقيطي تولى ولاية قضاء شنقيط في موريتانيا في ظل الحكومة الفرنسية.
11- وأفتى الشيخ الدكتور محمد بن صالح المنجد بالجواز واعتبرها من باب تخفيف الشر وتقليل الضرر وهي من مسائل الاجتهاد المبنية على قاعدة المصالح والمفاسد.
12- وأفتى بوجوب المشاركة الشيخ فيصل مولوي أبرز علماء لبنان، لأن لها دوراً في إزالة بعض المنكرات وإشاعة بعض أنواع المعروف أو رفع الظلم عن الناس، وإذا تخلف المسلم في مثل هذه المشاركة فقد قصر في القيام بواجبه الشرعي.
13- وقال بجوازه الشيخ سعيد حوى، واعتبرها مرتبطة بمصلحة الإسلام ومصلحة الحق، وهو موضوع يحتاج إلى موازنات كثيرة وشورى من اهلها إن وجدوا: (الأساس في التفسير 2671/5).
14- وأفتى بجواز المشاركة الدكتور عبد الكريم زيدان كبير فقهاء العراق، والداعية الإسلامي محمد أحمد الراشد، معتبراً المتخلف عن الانتخابات من غير عذر آثماً ومعتبراً الإدلاء بالصوت من الواجبات الشرعية.
15- وجوز المشاركة بالانتخابات الدكتور هاشم جميل من علماء العراق، وقال بضرورة الترشيح للانتخابات التي تشمل مناصب تتعلق بأمور المسلمين.
16- وأفتى بالجواز الشيخ العلامة سلمان بن فهد العودة، والشيخ الدكتور سفر الحوالي، واعتبرها خطوة ينبغي اتخاذها لتقوية أسباب الإصلاح واضعاف عوامل الافساد وسوف تؤدي بحكم سنة التطور إلى إصلاح ما هو أعلى منها بإذن الله، وأما الموقف المتجاهل أو الرافض فلا يرى له ميزة ولا ينتج عنه مصلحة.
17- وأفتى محدث الديار الشامية الشيخ العلامة محمد ناصر الدين الألباني بالجواز من باب تقليل الشر أو دفع المفسدة الكبرى بالمفسدة الصغرى (حياة الألباني 395/1).
18- ومثله أجاز المشاركة الدكتور محمد عبد القادر أبو فارس، والشيخ الدكتور يوسف القرضاوي والذي اعتبر فيها الانتخاب شهادة يجب على المسلم القيام بها على خير وجه.
19- وجوزها الشيخ الدكتور عمر عبد الرحمن، وتمنى أن يشارك في انتخابات مجلس الشعب المصري عام 1978م.
20- ومثله الشيخ سعود الفنيسان عميد كلية الشريعة بجامعة محمد بن سعود والشيخ عبد الرحمن البراك، والشيخ عبد الله الفقيه.
21- وأفتى بجوازها الشيخ عمر سليمان الأشقر في كتابه (حكم المشاركة في الوزارة والمجالس النيابية ح1/ص9.
22- وجوزها العلامة أحمد حسن الطه والدكتور أحمد الباليساني والشيخ ابراهيم النعمة والدكتور محمد عياش الكبيسي واعتبرها أمراً ضرورياً لإحداث التوازن وإبراز صوت الذين غابوا عن الانتخابات السابقة.
23- وجوزها الشيخ نصر فريد واصل من جبهة علماء الأزهر.
24- وقد صدرت فتاوى كثيرة عن مجاميع فقهية إسلامية، عربية وغير عربية، بعضها أباح الاشتراك وبعضها استحبه وبعضها أوجبه.
25- وقد شارك العديد من الإسلاميين في الانتخابات النيابية منهم الإمام حسن البنا في مصر والدكتور مصطفى السباعي في سوريا، والشيخ الداعود في الأردن، وقد شاركت الجماعة الإسلامية لجماعة المودودي في الانتخابات النيابية الباكستانية.
26- وفي المؤتمر الطارئ لأهل السنة في 2005/7/14م اتفق نخبة من أهل الحل والعقد من علماء العراق على ضرورة وأهمية المشاركة في الانتخابات لإحداث التوازن السياسي والإداري في البلد على أساس التوازن بين المصالح والمفاسد واختيار من الضررين أهونهما وللحصول على أعلى المصلحتين لمعالجة الخطر الحقيقي على الأرض الذي يجب أن لا يستهان به.
وهذا ما رآه الشيخ الدكتور حارث الضاري الأمين العام لهيئة علماء المسلمين حين سُئل عن موقف الهيئة من المشاركة في الانتخابات: إن موقف الهيئة ثابت على مبادئه، وإن الأمر منوط حينها بالاحزاب والحركات والقوى الوطنية السنية - خاصة المساندة للمقاومة - فإن رأت المصلحة في المشاركة فلتشارك، وإن رأت المصلحة في المقاطعة فلتقاطع.