عزيزي الفدرالي تمهــل !   عدد القراء : 1184   .

يصول اليوم في الساحة السياسية اشكال من الفرسان وكما يقول المثل (كل واحد راضي بعقله) ومنهم من ينظر للفدرالية وكأنه يخطط لقطعة ارض، لا مصير دولة وشعب فتجد بين الفرسان الانتهازي الوصولي المشغول بإرضاء عجبه وانانيته ومكاسبه الدنيوية، فتراه يطل علينا من تلفاز النظام السابق المرتبط بالحزب يصرف علينا من الكلام ما لايغني ولا يسمن، واليوم ينظّر بما يناسب المقام والمصلحة، وهؤلاء أفرد  لهم الامام ابو حامد الغزالي فصلاً في الاحياء ولاجدوى في خطابهم. وترى في الساحة فريقاً اكاديمياً مؤمناً بما قرأه في الكتب عن الفدرالية واللامركزية الادارية قاصراً النظر عن النتائج والعواقب على ارض الواقع العراقي، وفريقاً يجد في الفدرالية تحقيقاً لمصلحة وقد تتوافق مع مصلحة اجنبية.
النظام السابق حرم طوائف الشعب من ممارسة العمل السياسي طيلة خمسة وثلاثين عاماً خلت ولذلك تجد الكثير منهم لايملك شيئاً من المعرفة والدراية والحنكة والتجربة وبعد النظر للمناورة السياسية وتحديد المواقف.
بعد الانتخابات بدأت الدعوات الوافدة تتعالى في وسائل الاعلام داعية الى تقسيم العراق الى أقاليم فدرالية بدعوى اجتناب الاستبداد وتحقيق العدالة في توزيع الثروات اسوةً بالدولة الاسلامية المترامية الاطراف البسيطة في تركيبتها وهي كلمات حق باطنها باطل وستؤدي الى اوخم العواقب مع التحفظ على موضوع الاكراد.
اقول ان المثقف العراقي تستهويه كلمة دعوة وافدة في علبة سليفون... ففي الاربعينيات انتشرت العقيدة النازية وسيق الكثيرون الى المعتقلات رغم ان هتلر صنف العرب بدرجتين اعلى من القرود. وان الكثير من الشباب المثقف قد تهافت حين ذاك على مكتبات شارع المتنبي طلباً لكتاب(علم نفسك اللغة الالمانية) وكأنه كان يريد تعلم لغة السيد الجديد بالنظر لتقدم قوات الالمان على الحلفاء في حينه ونزول اربع طائرات المانية في مطار الموصل.
في الخمسينيات انتشرت الدعوة الى الشيوعية حتى باتت خطراً دفع بنوري سعيد الى دخول حلف بغداد المشؤوم، وفي الستينيات راجت الدعوة الى الناصرية والاشتراكية التي حلت علينا جالبةً معها الخراب الاداري والاقتصادي وتأميم مشاريع برؤوس اموال عراقية خالصة مما ادى الى تفشي البيروقراطية الادارية والاختلاسات على مختلف الاصعدة وتبذير المال العام...الخ ، ومع كل ما تقدم لم يفكر احد من ملايين الشعب العراقي بضرورة تقسيم العراق الى فدراليات علاجاً لما فسد .
عزيزي … عندما تطل علينا مروجاً لدعوتك الجديدة وتذكر لنا كيف ان اقواماً متفرقة اجتمعت في فدراليات كسويسرا والمانيا ويوغسلافيا والولايات المتحدة والامارات العربية والاتحاد الهاشمي(1958) فقد فاتك ان تذكر لنا مثالاً واحداً عن بلد صغير كالعراق لاتتجاوز مساحته مساحة كاليفورنيا وسكانه لايتجاوزون الخمسة وعشرين مليوناً وثرواته هائلة قائماً بمؤسساته ومكانته الدولية منذ عشرات السنين اختار ابناؤه تجزئته الى اقاليم فدرالية؟؟ هذا لم يحصل قط، شتان بين الفدرالية كنظام سياسي وبين اللامركزية كنظام اداري فالفدرالية لاتتبع اللامركزية الادارية بالضرورة. هل تتعامل مع قطعة ارض ام مع مجتمع بشري؟ أتريداعادة بناء العراق ام قلبه على البطانة واعادة تفصيله من جديد على هواك دون ادراك النتائج والاثار الخطيرة التي ستترتب على فعلك.
فكرة الانتخابات والمجالس والديمقراطية شيء جميل على الورق لكن ماذا سيحصل على ارض الواقع؟ لااود الخوض في تفاصيل مفاسد كثيرة وقعت في هذا المجتمع واكتفي بالاشارة الى ان الفساد قد استشرى في كل مرافق البلد وان الانسان لايختلف عن الذئب في غرائزه فالذئب يتحول الى مفترس صياد بشر اذا ذاق دم بني آدم، وكذا الانسان اذا تذوق وعائلته المال الحرام فلن يتوقف في غياب الردع وترك الحبل على الغارب.
الا تخشى من انتخاب مجالس اقاليم يسيطر عليها بعض الافراد وعوائلهم بصورة مستديمة ليتحكموا في مقدرات الاقليم المالية ومشاريعه وعقوده مع الشركات المحلية والاجنبية ويمضي الوقت وتضخم الاموال ويسيطر هؤلاء على الاجهزة الادارية والقضائية والامنية وتبرز مع الوقت رموز استبداد تتحكم بالاقليم مدى الدهر تحت واجهة الديمقراطية والفدرالية وتتحول الاجهزة الى جزء من هرم استبدادي غير معلن يخدم القمة. هل فكرت في كيفية توزيع الثروة القومية للوطن العراقي على الاقليم؟ اهي حصص سيجري الاتفاق عليها عشوائياً في المجالس ام هي مستلزمات اقتصاد دولة تفرض نفسها بالارقام والدراسات السنوية المتغيرة؟ اذا قلت بحصة للاقليم فهذا يعني ان منتسب الاقليم سينتفع بمشاريع وخدمات حصة اقليمية فضلاً عن المنافسة في الانفاع بحصة اقليم آخر كبغداد مثلاً (ياكل من جهتين)، ومن جهة اخرى فإنه تكريس للطائفية واشعال فتيلها بهذا الشكل سيقود الى مغادرة السني للأقليم الشيعي ومغادرة الشيعي للاقليم السني بعد استحالة التنافس الحياتي في الاقليم.
ان هذا الوضع سيقود الى نحر الروح الوطنية لدى الانسان العراقي لتحلل الانتماء التاريخي بالعراق وضياع الهوية العراقية والارتباط بالاقليم فقط ويتحول العراق الى دويلات طوائف مع الحفاظ لبعض الوقت على مؤسسات اتحادية شكلية لن تعدو ان تكون حبراً على ورق.
العراق دولة لها كيانها وتتفاوت مصادر الثروة في كل رقعة منها كما تتفاوت الحاجة الى تلك الثروة في كل جزء منها تبعاً للكثافة السكانية والسياسة الاقتصادية والانمائية في كل رقعة منه بغض النظر عن الانتماء العرقي او الطائفي.
ان الاوضاع المتوقعة التي جرى عرضها ستقود بالتأكيد الى مذبحة اهلية طائفية ولا اقول حرب اهلية لأن الحرب تقوم بين تنظيمات، وفي العراق لاتوجد تنظيمات سياسية بمعنى الكلمة بل جماعات مبعثرة، لأن الفكر السياسي في العراق لاوجود له الا ضمن نطاق ضيق، ولم تتكون تنظيمات سياسية الا في اضيق الحدود، وان كانت  موجودة فهي اما عرقية او مذهبية!.الا نخشى من انفصال هذه الاقاليم عن الوطن الام؟ وتلعب القوى الخارجية دورها؟
محمد علي باشا الكبير الوالي الالباني عينه السلطان العثماني على مصر تمكن من الانفصال بالاقليم المصري وتأسيس ملكية وراثية كان اخر ملوكها الملك فاروق وكذا فعل ولاة في الدولة العباسية.
الفدرالية اليوغسلافية انتهت بعد وفاة تيتو بمناحرات دموية بين الطوائف المكونة لها.