الناطق الرسمي باسم هيئة علماء المسلمين : جرائم التعذيب داخل السجون الحكومية يديرها مجرمون محترفون   عدد القراء : 3245   .

الشيخ الفيضي ّ:التقارير الدولية تؤكد وجود آلاف السجون السرية والعلنية التابعة للحكومة
الحالية وأخرى للميلشيات يمارس ضد السجناء والمعتقلين فيها التعذيب اليومي المبرمج
أكد الشيخ الدكتور (محمد بشار الفيضي) الناطق الرسمي باسم هيئة علماء المسلمين أن العراق تحول إلى سجن كبير، يتحكم فيه المحتل الغاشم، والأجهزة الحكومية التي نشأت في ظله. وقال الشيخ الفيضي في كلمة له خلال الندوة التي عقدها المركز العراقي للدراسات الإستراتيجية الأسبوع الماضي في العاصمة الأردنية عمّان تحت عنوان (عراق ما بعد الانتخابات) : إن الواقع المحبط يدفع الكثير اليوم لتبني الرأي القائل بأنه لا معنى للحديث عن حقوق الإنسان، والإكثار منه

 اعداد / مكتب البصائر-عمان

فلا معنى للقواعد القانونية التي تحمل هذه الحقوق إذا لم تكن هناك فعلا آليات تساعد على إقرارها ورقابتها وتطبيقها وتعاقب منتهكيها، أفرادا كانوا أم مؤسسات أم دولا.
وفي ما يأتي نص الكلمة:
بسم الله الرحمن الرحيم
عنوان كلمتي صيغ على نحو سؤال: ماذا بقي من حقوق الإنسان في العراق؟ تنبيهات ورسائل..لأن هذه الحقوق بدأت بالتآكل منذ بدء الغزو الأمريكي للعراق، وبلغ التآكل ذروته في عهد الحكومات المتعاقبة في ظله، واعتقد أننا سنشهد قريبا نهاية حقوق الإنسان في العراق..
وسأخرج هذه المرة عن المألوف المعتاد في مثل هذه الكلمات فلن أسوق أرقاما وشهادات كثيرة عن انتهاكات هذه الحقوق في العراق، فقد فعل ذلك قبلي آخرون، فضلا عن أن الفضاء الإعلامي مليء اليوم بالأرقام المرعبة والشهادات المريعة حول ذلك.
إنما أريد التنبيه على ما لابد من التنبيه عليه في هذا الصدد.
فأقول وبالله التوفيق:
لم يكن الكشف عن سجن المثنى السري في بغداد بالأمر المفاجئ، كما لم يكن ليشكل فضيحة من الوزن الثقيل لكل من يتابع الشأن العراقي، فمنذ خروج تلك الصور الرهيبة من سراديب أبو غريب وأخواتها، وما تلاها من فظائع سجن الجادرية عام 2005، والسجون بأشكالها العلنية والسرية، الثابتة والطائرة، في تكاثر سرطاني غير منضبط، حتى أصبح لدينا - في هذا الزمان العولمي - سجون عابرة للقارات.
التقارير الدولية تؤكد وجود آلاف السجون السرية والعلنية التابعة لوزارات الحكومة الحالية ولاسيما وزارة الداخلية ووزارة الدفاع، وأخرى للميلشيات يمارس ضد السجناء والمعتقلين فيها التعذيب اليومي المبرمج، حتى أصبحوا مستعدين للاعتراف بأية جريمة خلاصاً من تعذيب لا يطاق يمارسه عليهم جلادو تلك السجون المنتمون لتابعيات وولاءات متعددة.
ولقد وثقت عشرات التقارير الصحفية الدولية تلك الانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان في العراق ومنها ـ على سبيل المثال لا الحصرـ صحيفة (الغارديان) البريطانية،التي ساقت في تقريرها المنشور في2010/3/16 عشرات الانتهاكات، ووصفتها بأنها مما يندى له جبين الإنسانية إن بقي للإنسان جبين يندى وليست التقارير الدولية من فعل ذلك فحسب بل التقارير العراقية أيضا، ومنها ماهو صادر من جهات في الحكومة الحالية، ليصدق فيها القول: من فمك أدينك:
شهود من البرلمان والحكومة
يقول رئيس لجنة حقوق الإنسان في البرلمان الحالي في مؤتمر صحفي عقده ومعه بعض أعضاء اللجنة في قصر المؤتمرات بتاريخ2010/1/25إن هناك حالات تعذيب نفسي وجسدي في المعتقلات؛ ومن خلال زياراتنا للمعتقلات رأينا أن هناك من يتعرض لأبشع أنواع التعذيب من اجل انتزاع الاعترافات منهم بالقوة وان القوات الحكومية التي تشرف على هذه المعتقلات تستخدم شتى أنواع التعذيب من بينها الرجات الكهربائية والتعليق من الخلف، إضافة إلى الممارسات اللا إنسانية الأخرى.
وتقول وزيرة المرأة في الحكومة الحالية التي استقالت في كانون الثاني 2009 إثر تصريحات خطيرة جاء فيها: (إن المعتقلات العراقيات يُضرَبن بشكل روتيني ويتعرضن للمضايقات ويغتصبن في السجون الأمريكية والعراقية على حد سواء، ومع ذلك فإن الحكومة العراقية تتجاهل بتعمد معاناة وحاجات الأطفال والنساء).
واليوم يعيش الكثير من العراقيين ـ كما يقول (خوان بيدرو شيرير), رئيس بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في العراق في بيان صحفي للجنة في2009/8/13ـ يعيشون في خوفٍ دائم كلّما تركوا منازلهم, فأي واحدٍ منهم قد يتعرض للإصابة إذا ما تواجد ببساطة في المكان والزمان الخاطئين.
هذه نماذج من حقائق وشهادات .. وهي غيض من فيض، وما خفي كان أعظم، لأن العراق ببساطة تحول إلى سجن كبير، يتحكم فيه أكثر من سجان، المحتل، وأجهزة الأمن للحكومات المتعاقبة، والميليشيات، وأطراف من دول الجوار وبعض الجماعات المتطرفة، وغيرهم، سجن وقتل وهجر حتى اللحظة ثلث شعب العراق تقريبا، والثلثان ـ على مايبدو ـ ينتظران الدور.
الجرائم مبرمجة
على أية حال ليس معرفة ذلك وأمثاله وحده المهم، بل المهم أيضا أن نعرف حقائق خطيرة للغاية حول هذه الجرائم.
من هذه الحقائق: أن هذه الجرائم ليست عارضة وليست مؤقتة أو عابرة،بل هي قائمة على برنامج ومستمرة، بمعنى إنها ليست عفوية وإنما ترتكب عن عمد وإصرار وترصد، وهي كذلك جرائم لا تطال أفرادا أو جماعات محدودة، بل تشمل في اتساع رقعتها شعبا بكامل مكوناته، وتطال معتقداته وممتلكاته، وهي أيضا ليست مرتكبة من مبتدئين غير معتادين على الجريمة والإجرام،أو أن سجلاتهم العدلية نظيفة، أو خالية مثلا من عبارات: غير محكوم بجنايات، ليس لديه جنح متكررة، بل هي من مجرمين محترفين، سجلاتهم العدلية تزكم الأنوف،وهي ليست بأيدي مسؤولين حكوميين فقط، وإنما كذلك بأيدي ومعاول ميليشيات وجماعات ثبت بالوثائق، المسجل بعضها صوتا وصورة أن أطرافا في أجهزة الحكومة الحالية تدعمها وتشاركها أحيانا في جرائمها، وليس مرتكبوها الرئيسيون من دون شركاء، بل لديهم شركاء من داخل البلد وخارجه، وهي ليست غامضة مستعصية على البحث والتحقيق، وليست كلها في الظلام والسرية، حتى تسجل ضد مجهول دائما بل كثير من الفاعلين معروفون بأسمائهم، ويستمدون الحماية من الاحتلال والأحزاب التي ينتمون إليها، والأجهزة الأمنية التي يعملون فيها،كما أن لهم ملاذات مجاورة آمنة يلجؤون إليها كلما ضاقت بهم السبل.
وهي أخيرا ليست مرتكبة على كوكب آخر لا تصل أخباره إلا لقلة قليلة من الفئات البشرية، بل تحدث في قلب العالم الأرضي الذي لا تفارق النظر إليه لأهميته وإستراتيجيته كل بلدان العالم.
هذه المواصفات للجرائم التي ترتكب على أرض العراق تجعل منها جرائم إبادة جماعية، وجرائم ضد الإنسانية، بحسب المواثيق الدولية، التي تم التريث في العمل بها ـ على مايبدو ـ لأن المحتل دولة عظمى مهيمنة على قرارات مجلس الأمن.
هي في كل الأحوال جرائم نوعية، مستمرة دون انقطاع منذ عام 2003، لا نشير إلى ما قبله حتى لا يثقل تاريخ الجريمة على القارئ حي الضمير ومع ذلك فهي جرائم ممنوع فيها على الضحية رفع أية قضية ولا تخضع لولاية المحاكم المحلية أو الدولية ومن يفعل ذلك يتهم بالإرهاب والعداء للديمقراطية والعراق الجديد هي جرائم استئصال تبرر على أنها دفاع عن الديمقراطية وقيمها وعن حقوق الإنسان المتحضر.
المجرم هنا لا يحتاج لعناء التبرير فهو مرخص له أن يفعل ما يشاءتبقى جرائمه خارج كل مساءلة، ومحصنة ضد كل محاكمة وعقوبة، وكأنها خدمات إنسانية مجانية لتحضير مناطق همجية.
التظاهر بتطبيق المعايير
أما نشاطات حقوق الإنسان اليوم التي تقودها وزارة حقوق الإنسان في الحكومة الحالية فهي مهذبة جدا..هي اليوم تبحث عن مدى توافر الشروط الصحية في سجن السجين أو معتقله دون النظر إلى مبررات اعتقاله ومسوغاته القانونية.
هي اليوم تتظاهر بمحاولة تطبيق المعايير الدولية للسجون والمعتقلات من حيث طول الزنزانة، عرضها، طبيعة الإضاءة وغير ذلك من المعايير التي لم تستطع أن توفر أي منها للسجناء والمعتقلين حتى هذه اللحظة.
وهي كذلك معنية بوصف بعض أدوات التعذيب بكل تهذيب ونقلها في تقارير موضوعية جدا، مهذبة جدا، دبلوماسية جدا، من شأنها أن تنزع وحشية التعذيب عن التعذيب، وتهون المصيبة على من يريد أن يطلع عليها من قبل الرأي العام كل ذلك دون إغضاب احد فمن مهامها الإنسانية ـ على ما يبدوـ مراعاة مشاعر الجلاد قبل الضحية.
أيها السادة:
هذا الواقع المحبط يدفع الكثير اليوم لتبني الرأي القائل بأنه لا معنى للحديث عن حقوق الإنسان، والإكثار منه، فلا معنى للقواعد القانونية التي تحمل هذه الحقوق إذا لم تكن هناك فعلا آليات تساعد على أقرارها ورقابتها وتطبيقها وتعاقب منتهكيها، أفرادا أكانوا أم مؤسسات أم دولا.
إذا لم يجد الإنسان صاحب هذه الحقوق أينما كان ومهما كان أصله أو دينه أو لونه أو جنسه، طريقا سليما آمنا ومضمونا في الوصول إليها، فأي معنى يبقى عندها للحقوق وللقضاء ؟
تحضرني كلمات كتبها عراقي تعبر عن هذا الإحباط قال فيها: لن اكتب عن حقوق الإنسان في بلادي، وانأ أراها تذبح ألف مرة تارة باسم القانون، وأخرى باسم مكافحة الإرهاب، وثالثة باسم بناء العراق الجديد.
لن اكتب عن فساد نخر العظم، وابتلع اللحم، وأذاب الشحم، أو نفط حل أزمات كل البلدان إلا أزمة بلادي وأزمتي وأزمات نساء ورجال وأطفال، ذنبهم الوحيد أنهم ولدوا في العراق في هذه الحقبة من تاريخه لن اكتب عن طوابير ألفناها على أرضنا، حتى عند الموت.
طوابير نقف خلالها أمام محطات البنزين والخبز وبطاقات التموين تماما كما نقف بين يدي خالقنا حين نؤدي عبادة جماعية، سوى إننا نقف في عبادتنا خاشعين مطمئنين، بينما نقف في هذه الطوابير يائسين مرتعبين ساخطين.
لن اكتب.. ولمن اكتب.. وكل من حولي أصبح رمادا احترق بنار قلب أرملة أو دموع يتيم، أو خفقات قلب جائع أو مروع، أو آهات عانس أو من أبرم عقد الزوج واضطرته الفقر إلى إيقاف التنفيذ، وهو يعيش في بلد بلغت ميزانيته خلال خمس سنوات أكثر من ثلاثمائة مليار دولار،لا يدري احد أين تبخرت، وفي جيوب من استقرت.
يستوي في هذه المعاناة كل أبناء الوطن من سنة وشيعة وعرب وأكراد وتركمان ومسيحيين وصابئة، ويزيديين ومكونات أخرى الأمل بالله كبير أن ينعم علينا قريبا بالتحرير، فنعيش بمكوناتنا هذه، وفسيفسائنا الجميلة تلك في ظل وطن واحد على قدم المساواة، متحابين متآخين، على نحو نسر به أصدقاءنا ونغيض به أعداءنا.
أيها السادة في ختام كلمتي أوجه ثلاث رسائل
الرسالة الأولى: إلى العالم بشرقه وغربه فأقول: إن صمتكم خطيئة لا تقل عن خطيئة الجلادين نحن اليوم لا نطالبكم بتحمل مآسينا،إنما نطالبكم بعدم مساندة المستبدين.
بعضكم اليوم يتسابق لإظهار الدعم والتأييد لجهات وأشخاص ملفات جرائمهم موثقة في الأمم المتحدة، ومنظمات حقوق الإنسان العراقية والعالمية.
وبعضكم يتلهف لعقد صفقات نفطية وغير نفطية في ظل هذه الأوضاع الشاذة، التي تغيب فيها إرادة الشعب، وينشغل وعيه اليومي بهمومه وآلامه، بحيث لا يدري ما يطبخ خلف ظهره، وما يبرم من بيع ملكه من دون علمه..إذا أنتم تسرقونه، وتشاركون غير المؤتمنين على حقوقه، في هدرها وسلبهاواهمون أنتم إذا ظننتم أن ذلك سيمر إلى الأبد من دون ملاحقة ومطالبة باسترداد كل دينار سلبتموه بطريقة غير مشروعة من الشعب في مثل هذه الظروف.
الرسالة الثانية: إلى دول الاحتلال وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك إلى من ساند الاحتلال من دول الجوار ومازال يستغل ظرفه ليعيث فيه فسادا لقد فعلتم ما في وسعكم، ونفذتم خططكم، وأرضيتم أحقادكم، وسلكتم كل الوسائل لقهر هذا الشعب وانتهاك حقوقه، والمس بكرامته ولكن هل فكرتم ماذا بعد؟ لقد قال أحد القادة المعادين للمعسكر الغربي :إن الغباء الأمريكي قادهم إلى احتلال شعب لا يكل ولا يمل من القتال وأنا أقول أيضا إنه لا يكل ولا يمل كذلك من المطالبة بحقوقه،وملاحقة من ظلمه، واسترداد ما سلب منه سواء كان المسلوب ماديا أو معنويا.
وهذه كلمة لا تصدق على المحتل فحسب بل تصدق على كل الأطراف الأخرى المتدخلة في الشأن العراقي إيذاء وظلما بما في ذلك دول الجوار وإذا كان الأمريكيون قد خسروا حتى اللحظة بسبب الحرب على العراق، بشهادة خبرائهم الاقتصاديين ثلاثة ترليون دولار، كانت كافية لإدخالهم في أزمة إقتصادية حتى اللحظة لا يعرفون الطريق المناسب للتعافي منها، وإذا كانوا قد خسروا بحسب شهادات خبرائهم العسكريين أكثر من سبعين ألف قتيل، وستمائة ألف جريح،عدا المرضى النفسيين والمنتحرين،فعليهم أن يدركوا أن القادم أمر، وأن أجيالنا تعاهدت على قتالهم حتى آخر جندي يغادر الأرض راضيا أو مكرها كما تعاهدت أجيالنا، على الاقتصاص من الآخرين أيضا،وبالطريقة التي تراها مناسبة، وموفية بحقها.
ورسالة ثالثة إلى الذين يمارسون التعذيب وانتهاك حقوق الإنسان في ظل الحكومات المتعاقبة برعاية الاحتلال وغيرهم ممن ينفذ أجندة لا تمت إلى مصالح العراقيين بصلة..
أولا: أنتم لستم طائفيين لأنكم آذيتم أبناء طوائفكم أيضا، ولستم قوميين لأنكم آذيتم أبناء قوميتكم أيضا.
أنتم نموذج مختلف يسعى إلى السلطة والمال على حساب الوطن والدين والطائفة والقومية وكل شيء سواهما.
ثانيا: إقرءوا تاريخ هذه المنطقة جيدا..لم يخلف الاحتلال فيها بعده حكومة من نسيج خيوطه والاحتلال الأمريكي ذاته لم يعرف عنه انه حين يخرج يحمي صنيعته، بل يكون في العادة أول من يفرط بهم، أو يرميهم على قارعة الطريق..وحين تأتي لحظة التحرير وهي قادمة بإذن الله ستجدون أنفسكم بين الخلق والخالق الخلق الذين ظلموا على أيديكم، وتدفعهم غريزة الشعور بالظلم للإقتصاص منكم، وما ضاع حق وراءه مطالب وبين الخالق العظيم الذي قال للمظلوم في الحديث القدسي الصحيح: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين.