الوعظ والإرشاد وأثرهما في التربية الصحيحة   عدد القراء : 1200   .

إن الوعظ هو الأسلوب المباشر الصريح في التربية، ومن السهل الاعتماد على هذا الأسلوب في توجيه الناس ونصحهم، فما على المربي الا أن يتوجه بالمواعظ والنصائح إلى من يريد ويطلب منه الامتثال لها والانصياع لأوامر الله سبحانه ونواهيه.
والأمثلة التي تدل على ذلك في كتاب الله تعالى كثيرة، فمنها: ما جاء في موعظة لقمان الحكيم لابنه وهو ينهاه عن الشرك بالله ويبين له علمه الشامل لكل شيء، ويأمره بالصلاة وبالمعروف وينهاه عن المنكر ويأمره بالصبر وينهاه عن الكبر، قال الله سبحانه وتعالى: ((وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ * وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ *يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُنْ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * يَابُنَيَّ أَقِمْ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِير)).
وعند التأمل في هذه الموعظة الغالية نجد أنها تتعلق بالعقيدة والعبادة والاخلاق، وهي واضحة لا غموض فيها ومقبولة للنفس السوية ولا يجد أحد مسوغاً لردها.
ومن ذلك ما جاء في دعوة نبي الله هود عليه السلام لقومه إذ خاطبهم بقوله: ((وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيم)).
وهكذا ذكرهم بفضل الله عليهم، وأمرهم بطاعته، وخوفهم من عذابه، ولكنهم أصروا على الكفر فكان مصيرهم الهلاك، حتى حكي الله تعالى قولهم: ((قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنْ الْوَاعِظِينَ * إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأَوَّلِينَ * وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِين)).
أما السنة النبوية الشريفة: ففيها أمثلة كثيرة تدل على وعظ رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحابه، بل أنه صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يعظ أصحابه في غير الخطب الراتبة -كخطب الجمعة والأعياد- وقد امره الله تعالى بذلك، فقال: ((وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا )).
قال ابن رجب الحنبلي: (والبلاغة في الموعظة مستحسنة، لانها أقرب إلى قبول القلوب واستجلابها، والبلاغة: هي التوصل إلى إفهام المعاني المقصودة وإيصالها إلى قلوب السامعين بأحسن صورة من الألفاظ الدالة عليها، وأفصحها وأحلاها للاسماع، وأوقعها في القلوب، وكان عليه صلى الله عليه وسلم يقصر خطبته ولا يطيلها، بل كان يبلغ ويوجز)).
وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتخولهم بالموعظة، كما في الصحيحين وغيرهما عن أبي وائل قال: كان عبد الله بن مسعود يذكرنا كل يوم خميس، فقال له رجل: يا ابا عبد الرحمن انا نحب حديثك ونشتهيه، ولوددنا أنك حدثتنا كل يوم فقال: ما يمنعني ان أحدثكم الا كراهة أن أملكم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان يتخولنا بالموعظة كراهة السآمة علينا.
وقد قال العرباض بن سارية، رضي الله عنه: (وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وان تأمَّر عليكم عبد، وأنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة).
قال الشيخ عبد المجيد الأزهري: (ذرفت منها العيون): أي سالت منها دموع العيون لشدة تأثير الموعظة في النفوس، فإنها -أي الموعظة- الكلام الدال على التخويف بطريق النصيحة...
ومن الأمثلة الظاهرة حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت).
(وهكذا جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم عقيدة الإيمان باليوم الآخر أساساً في التربية وقاعدة للدعوة إلى مكارم الأخلاق ومعالي الأمور، لكن الإسراف في هذا الأسلوب من التربية قد يجعله مملاً ممقوتاً، وبالتالي يؤدي إلى الإعراض والنفور، ولذا يجب الاقتصاد فيه وملاحظة النتائج المترتبة عليه).
وقد أرشد الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم قائلاً له: ((ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ )).
ويقول أيضاً: ((وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا))، ويقول: ((وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ )).