| القنوت في الإسلام   عدد القراء : 1520   . القنوت في اللغة له معان عدة، منها الإمساك عن الكلام، قال تعالى: ((وقوموا لله قانتين))، وقال زيد بن أرقم كنا نتكلم في الصلاة، حتى نزلت قوله تعالى: ((وقوموا لله قانتين))فأمسكنا عن الكلام، فالقنوت هنا، الامساك عن الكلام في الصلاة. وقيل الدعاء في الصلاة، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قنت شهراً في صلاة الصبح بعد الركوع يدعو على رعل وذكوان. وقيل معناه إطالة القيام، من حديث جابر رضي الله عنه قال: سُئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الصلاة افضل؟ قال: طول القنوت، يريد القيام. ويقال للمصلي: قانت، قال النبي صلى الله عليه وسلم (مثل المجاهد في سبيل الله كمثل القانت الصائم) أي المصلي، وقال ابن الانباري القنوت أربعة أقسام، (الصلاة، طول القيام، إقامة الطاعة، السكوت). يقال قنتت الزوجة لزوجها أي أطاعته، قال تعالى في كتابه العزيز ((كل له قانتون)) أي مطيعون أي ان كل من في السموات والأرض مخلوقون بإرادة الله تعالى، لا يقدر احد على تغيير الخلقة، فآثار الصنعة والخلقة تدل على الطاعة، وليس معناها طاعة العبادة، لان فيها مطيعاً وغير مطيع. وذكر ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن، إن القنوت قد يطلق على القيام، والصلاة، الدعاء والامساك عن الكلام، أو الاقرار بالعبودية أو الطاعة وقد أوصلها العلماء، الى عشرة معاني. ونظمها ابن العربي بقوله: ولفظ القنوت اعدد معانيه تجد مزيداً على عشر معان مرضية دعاء، خشوع، والعبادة، والطاعة وطول القيام اقرارنا بالعبودية سكوت، صلاة، والقيام وطوله كذاك دوام الطاعة الرابح النية القنوت في الشريعة الإسلامية: هو كل كلام تضمن ثناء على الله تعالى ودعاء. وهذا القنوت يكون في صلاة الوتر عند الحنفية، وفي صلاة الصبح عند الشافعية أو في النازلة التي تنزل بالمسلمين، والصفة المتكاملة المأثورة للقنوت هي (اللهم انا نستعينك ونستهديك ونستغفرك، ونؤمن بك، ونتوكل عليك ونثني عليك الخير كله، نشكرك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم اياك نعبد ولك نصلي ونسجد واليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، ان عذابك الجد بالكفار ملحق، الى آخر الدعاء. اما القنوت في عرف الاخلاقيين، فمعناه الالتزام بالخشوع والضراعة والخشية، واستشعار الهيبة من الله عز وجل، والقنوت كما ذكره تفسير المنار عبارة عن الانصراف عن شؤون الدنيا الى مناجاة الله تعالى، والتوجه اليه لدعائه وذكره، ولما كان هذا التوجه يستلزم تفرغاً وانقطاعاً عن شواغل الحياة جاء النهي عن كلام الناس في الصلاة، لأنها محل قنوت وخشوع لله عز وجل، لذلك جاء في حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا نسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النبي سلمنا عليه (وهو في الصلاة) فلم يرد علينا، فقلنا (أي بعد الصلاة) يا رسول الله، كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا، فقال: ان في الصلاة شغلاً. متفق عليه. وتحقيق القنوت- بمعنى الخضوع والانصراف الى الله في الصلاة، هو الذي يجعلها تحقق ثمرتها التي أشار القرآن الكريم في قوله تعالى: ((ان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر))، وتجعلها تبلغ بصاحبها درجة الفوز والفلاح، قال تعالى: ((قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون)). ولعل من جلال شأن هذه الفضيلة الاخلاقية السامية، التي لا يتخلق بها على وجهها القويم الا كل مخلص كريم، قال تعالى: ((ان ابراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين)). أي ان ابراهيم عليه السلام في كماله وسمو أخلاقه يجمع فضائل لا تكاد توجد الا متفرقة في أشخاص وكان مطيعاً لربه قائماً بأوامره في اخلاص واحسان ودوام على الطاعة، وكان موقناً بإلوهية الله سبحانه دون سواه، وكان خاضعاً له خاشعاً يواظب على عبادته والتقرب اليه. فكان رئيس الموحدين وقدوة المحققين الذي جادل فرق المشركين وأبطل مذاهبهم الزائفة بالحجج الداحضة وكان حنيفاً مستقيماً على الحق مائلاً عن الباطل. وقد وصف القرآن الكريم طائفة من فضليات النساء بفضيلة القنوت، وكأن المرأة أشد احتياجاً الى القنوت من سواها لأنها لب المجتمع، وأساس البيت، ولانها المعلمة الاولى في الحياة وكأن المرأة بفطرتها وطبيعتها أقرب الى التحلي بفضيلة القنوت والخشوع والطاعة، متى ما سلمت من آفات الحياة ووجدت عامل التوجيه والتذكير منذ بداية الطريق. ان الله تعالى يخاطب نساء النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول لهن ((ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحاً نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقاً كريما). أي أن من تخضع منكن للايمان بالله وطاعة رسوله، وتلزم طاعتهما، وتداوم على صلاحها وعبادتها وتعمل العمل الطيب الصالح يثيبها الله تبارك وتعالى، مرتين، مرة على طاعتها ومرة على طلبها رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحليها بالقناعة وحسن المعاشرة ومعاونة النبي صلى الله عليه وسلم في حياته. وكذلك يجعل الله تعالى لها رزقاً طيباً واسعاً في الجنة زيادة على أجرها. ويتحدث القرآن الكريم عن مريم البتول الطاهرة العذراء،ومنه نفهم ان الله تعالى يطلب من مريم ان تحرص على فضيلة القنوت التي تجعل المرأة على الدوام موصولة الاسباب بحمى رب الأرباب. قال تعالى ((إذ قالت الملائكة يا مريم ان الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين يا مريم اقنتي لربك وأسجدي واركعي مع الراكعين)). وقال تعالى في سورة التحريم ((ومريم ابنة عمران التي احصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكانت من القانتين))، اي كانت من المواظبين على الطاعة ولم تقصر في طاعتها عن طاعة الرجال الكاملين، لذلك عدها القرآن من جملتهم. ويتحدث القرآن الكريم عن النساء وموقفهن من الرجال، ويذكر ان الزوجة الصالحة هي التي تتحلى بفضيلة القنوت وصدق الطاعة والاخلاص. قال تعالى: ((الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما انفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله))، اي مطيعات لله ولرسوله ولأزواجهن قائمات بحقوق الزوجية أمينات عليها حافظات للعهد والميثاق. والقرآن الكريم يخاطب الجميع بالتحلي بصفة القنوت، قال تعالى: ((وحافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين)) أي خاضعين مطيعين خاشعين، مستشعرين هيبة الله وعظمته. ويشير القرآن الكريم الى ان فضيلة القنوت تنشأ عن العلم السليم القويم، لأن من حصل العلم النقي الصافي ازداد خشية وتقوى، قال تعالى: ((أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه، قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون انما يتذكر اولو الالباب)). ويقول القرطبي، كل موجود في السماوات والأرض ملك لله تعالى بالايجاد والاختراع، وكلهم مطيعون خاضعون، كلها تقنت لله تعالى - والجمادات قنوتها في ظهور الصنعة عليها وفيها، وكل مخلوق من المخلوقات قائم بالشهادة أنه عبد لله، فالخلق قانتون قائمون بالعبودية،. وهنا يقف الانسان المفكر المتدبر متعقلاً ومتأملاً، اذا كان كل من في الكون وكل ما في الكون من مخلوقات مسخراً لأمر الله، خاضعاً لجلالته خاشعاً بالقهر والتسخير لسلطانه. فأيهما أجدر بالانسان العاقل وأليق أن يساق على الرغم منه بالقهر والقوة الى ساحة الخضوع والخشوع أم يشكر نعمة الله وتكريمه ويستشعر هيبة الله وجلاله فيتحلى بفضيلة القنوت الذي هو خضوع وخشوع عن طريق الاقتناع والايمان، فيقنت لربه في الليل والنهار، مقراً بربوبيته على طاعته متدثراً بثوب الاحسان والاتقان والاستقامة فلنتدبر قوله تعالى: ((ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً)). |