بصائر البصائر/الاستغاثة   عدد القراء : 1190   . لم يقل أحد من علماء المسلمين أنه يستغاث بشيء من المخلوقات لا بنبي ولا بملك ولا بصالح ولا بغير ذلك، والاستغاثة طلب الغوث، وهو ازالة الشدة، كالاستنصار طلب النصر، والاستعانة طلب العون.
والمخلوق يطلب منه من هذه الامور ما يقدر عليه منها كما قال تعالى ((وان استنصروكم في الدين فعليكم النصر)) وكما قال ((فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه)) وكما قالى المولى ((وتعاونوا على البر والتقوى))، وأما ما لا يقدر عليه الا الله: فلا يطلب الا من الله، ولهذا كان المسلمون لا يستغيثون بالنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ولا يستسقون به ولا يتوسلون به، كما في صحيح البخاري: ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه استسقى بالعباس وقال: اللهم إنا كنا اذا أجدبنا نتوسل اليك بنبينا -هذا في حياته- فتسقينا وانا نتوسل اليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون.
والمغيث بمعنى المجيب، لكن الاغاثة خاصة بالافعال، والاجابة خاصة بالاقوال، فيجب على كل مكلف ان يعلم ان لا غياث ولا مغيث على الاطلاق الا الله، وان كل غوث فمن عنده، وان كان جعل ذلك على يدي غيره، فالحقيقة له سبحانه وتعالى ولغيره مجاز، وقالوا من اسمائه الحسنى المغيث والغياث.
وأكثر ما يقال غياث المستغيثين، ومعناه المدرك عباده في الشدائد اذا دعوه، ومجيبهم ومخلصهم، وفي خبر الاستسقاء بالصحيحين (اللهم أغثنا اللهم أغثنا) قال تعالى ((اذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم)) وفي الدعاء المأثور (يا حي يا قيوم لا اله الا انت برحمتك استغيث أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، ولا إلى أحد من خلقك)، وروي عن معروف الكرخي رحمه الله انه كان يكثر ان يقول (واغوثاه) ويقول اني سمعت الله يقول ((اذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم)).
لكن بعض الناس يفهم من الاستغاثة غير مراد الله ورسوله، فهذا يرد عليه فهمه، كما روى الطبراني في معجمه الكبير انه كان في زمن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم منافق يؤذي المؤمنين فقال أبو بكر الصديق(رضي الله عنه) قوموا بنا لنستغيث برسول الله (صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم) من هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: (انه لا يستغاث بي وانما يستغاث بالله)، فلا يطلب من النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ما لا يقدر عليه الا الله، فلا يدعى الا الله، وان الامور التي لا يقدر عليها الا الله لا تطلب الا منه مثل غفران الذنوب، وهداية القلوب وإنزال المطر وانبات النبات كما قال الله تعالى ((ومن يغفر الذنوب الا الله)) وقال ((انك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء)) وكما قال المولى جل وعلا ((يا ايها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والارض)) وكما قال تعالى ((وما جعله الله الا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر الا من عند الله)) وقال تعالى ((الا تنصروه فقد نصره الله اذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين اذ هما في الغار اذ يقول لصاحبه لا تحزن ان الله معنا)).
فاستغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق أو كاستغاثة المسجون بالمسجون، وفي دعاء موسى عليه السلام، (اللهم لك الحمد واليك المشتكى وانت المستعان وبك المستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة الا بك)، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما (اذا سألت فاسأل الله واذا استعنت فاستعن بالله).