اهتمام الإدارة الأميركية بالعراق ليس من أجل الديمقراطية،إنما من أجل (الحكومة الدمية) التي يمكن أن تمنع أي عرقلة نحو الأهداف الأساسية، بالانفتاح النفطي على الإمبريالية العالمية، وضمان السيطرة الأجنبية على النفط العراقي، ومحاولة إبقاء قواعد عسكرية في البلد
البصائر/ تقرير إخباري
في قراءة جديدة للحرب وهي تدخل سنتها الثامنة، يقدم كاتب أميركي متخصص في الشؤون السياسية والاجتماعية، رؤية مختلفة تنظر إلى طائفية الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وبرجوازيتها، وتخادمها مع الأهداف البعيدة للاحتلال الأميركي , ويؤكد الباحث أن أميركا فشلت في تطوير العراق , ولكنها نجحت في جعل ثلث العراقيين يعيشون تحت خط الفقر , ويجري الكاتب مقارنة في سيرة كل من أياد علاوي، ونوري المالكي، مشيراً بالتحديد إلى علاقة كل منهما بواشنطن , ويركز على الأذى الخطير الذي لحق بالعراقيين، بجرائم القتل، وبالتهجير، وبالسجن، وبالبطالة، مشدّداً بشكل خاص على خطر الطائفية الذي أثارته الجيوش الأميركية، وأسست له، ومازالت تعمل على تعميقه، بطرق خبيثة وغاية في التعقيد.
إن المحلل السياسي لا يجد في الديمقراطية التي زرعها الغزو إلا وسيلة من وسائل الرغبة الأميركية في ديمومة البقاء في العراق عبر السيطرة على سياساته ومواقفه الإقليمية، ومن خلال نهب ثرواته النفطية، أو بتأسيس قواعد عسكرية، وقال إن واشنطن تعمل على هذه الأهداف ضمن مدى بعيد، وفي إطار مشروعها الشرق أوسطي المعروف الذي يشكل جزءاً مهماً من السياسات التي أعلنت عنها إدارة بوش , وفي أعقاب انتخابات 7 آذار، رحّبت وسائل الإعلام والإدارة الأميركية بعملية التصويت، وعدّتها دليلاً على أن الغزو الأميركي سنة 2003 قد أدخل الديمقراطية إلى العراق ولو بشكل متأخر , بحسبِ زعمهم , وبعد شهر واحد، مزّقت التفجيرات ضواحي بغداد ومركز العاصمة في وقت تواجه فيه حكومة المنطقة الخضراء رفض شعبي عارم لها ، وأهمها الاستياء المتصاعد للمواطنين إلى جانب أن البرلمان القديم معطـّل، والبرلمان الجديد الذي ينتظر التحالفات، تحطـّمه الانقسامات الطائفية، حتى قبيل انعقاد جلسته الأولى , ويقول (جيمس كوغان)، الخبير في العلوم الاجتماعية والسياسية في تقرير نشره موقع (وورلد سوشيلست) : إن ادعاءات بناء ديمقراطية جديدة في العراق، إنما هي محاولة أخرى لإعماء الطبقة العاملة الأميركية والعالمية عن نتائج سبع سنوات من (العنف الإمبريالي) الذي يمارس ضد الشعب العراقي , ويرى (كوغان) أنّ انتخابات ديمقراطية، ليست أمراً محتملاً بوجود احتلال عسكري أميركي , ولقد قمع الجيش الأميركي كل فئة من فئات المجتمع العراقي التي قاومت تحويل البلاد إلى (دويلة تابعة) وعشرات الألوف من المعارضين للاحتلال قتلوا أو تعفـّنوا في السجون , وأشار الكاتب إلى أن الغزو الأميركي مسؤول مباشر عن مقتل نحو 1.2 مليون عراقي من ضمنهم أطفال ونساء, وحول نحو 4 ملايين إلى مرحلين أو مهجرين أو منفيين في الدول المجاورة للعراق أو في الدول التي قبلت لجوء فقط عشرات الألوف منهم , ويتابع (كوغان) قائلاً: لقد حُطـّم سكان العراق، نفسياً، وبدنياً, فالبطالة مستوطنة، وهناك حوالي 32 بالمائة من العراقيين يعيشون تحت خط الفقر، وأغلب العراقيين منشغلون فقط بمحاولة البقاء على قيد الحياة، وسط الخراب الاقتصادي الذي أنتجته سنوات الاحتلال والدمار, وكنتيجة لذلك، فإنّ مقاومة العراقيين للاحتلال تقمع بقوة في وقت يتعرّض فيه الشعب نفسه لأقسى هجمات الإرهاب التي (يتخادم) معها الاحتلال، بهدف تجيير الأمور لمصلحة بقائه، أو بقاء ممثليه ووكلائه في السلطة.
إن الخبير السياسي والاجتماعي، يرى أن التنافس الانتخابي تحت شروط كهذه، كان بين الفئات البرجوازية المتنافسة التي تعاونت بطرق مختلفة مع الإمبريالية الأميركية, ولا أحد منها يمثل وجهة نظر عموم الشعب العراقي الذي يطالب بأكثريته الساحقة بالانسحاب الفوري لجيش الاحتلال المكروه بقوة , وبدلاً من ذلك، فإن أكثر الأحزاب والتحالفات تتلقى رشاوى بطرق مختلفة للتغاضي عن هذه الحقيقة, ولهذا تهدد دائماً بالمخاوف من النزاعات الطائفية والإثنية، لكي تقنع الطبقات الأخرى من سكان العراق للتصويت لها، ولعدم إبداء أية مقاومة وطنية حقيقية وليست (إرهابا) مشبوهاَ ومشوّهاً، وموجّهاً بالأصل إلى الطبقات الاجتماعية المحرومة , وقال إن الجنرال الأميركي (ديفيد بيتريوس) الذي كان مسؤولاً عن عمليات القمع الوحشي من خلال مهمات ما يُسمّى (قوات السورج) الإضافية في سنتي 2007 و2008، والذي سكّ التعبير المعروف أميركياً الآن بـ(عراقرسي - Iraqcracy) لوصف النشاطات الفاسدة لأولئك الذين ساعدهم الأمريكان على الصعود إلى السلطة , وكنتيجة للانتخاب، فإن البرلمان ذا الـ325 مقعداً، منقسم بحدة ضمن الخطوط الطائفية المعروفة، وبدرجة ربما تكون أكبر من تلك التي أعقبت انتخابات سنة 2005 , وعن الوجه الآخر لعملة التنافس على السلطة، يقول الخبير السياسي الأميركي: إن نوري المالكي، زعيم سياسي في حزب الدعوة الأصولي، عاد إلى العراق سنة 2003، وبسرعة وجد نفسه يتحالف مع الاحتلال الأميركي , ورفع إلى منصب رئيس الوزراء سنة 2006، كنتيجة لمساومة قاسية في التحالف , واستطاع أن يبني له قاعدة دعم في البلد الذي غزت جيوشه بلاده، وبتحالفه (دولة القانون)، استخدم المال الحكومي، والدعم الأميركي ليؤسس لنفسه قاعدة في الجنوب، وليكون الفئة السياسية المهيمنة في مدينة البصرة الغنية بالنفط على حساب المجلس الأعلى الإسلامي في العراق، وحركة التيار الصدري , وفي محاولة للتشبّث بالسلطة، ادّعى مؤازرو المالكي، أنّ علاوي، وتحالف العراقية، فرسان مستخدمان للموالين للنظام لبعثي السابق , وهذه المحاولات اتخذت فقط لإقصاء مرشحي العراقية، بسبب ارتباطاتهم البعثية السابقة , وعلاوي ومؤازروه شجبوا هذه التحركات، وعدّوها مكائد طائفية وراءها النظام الإيراني , ومن ناحية أخرى، لا علاوي ولا المالكي، يستطيع أن يشكل الحكومة من دون أن يُجري صفقات مع الفئات الطائفية والإثنية , ويشير (كوغان) إلى أن الطائفية التي تهيمن على السياسة العراقية، قد أثيرت بشكل متعمد من قبل الولايات المتحدة منذ سنة الغزو سنة 2003، ولعبت الإمبريالية الأميركية مع فئة واحدة ضد الأخرى، وبقيت تغذي هذا التوتر إلى أنْ تأكدت تماماً أن الأمور باتت صعبة للغاية , وحتى الآن يشتد الصراع على السلطة وأجهزتها المهمة، وعلى التشارك في المصادر الأساسية لثروات البلد من صناعة النفط , ويشكل النفط نحو 75 بالمائة من الناتج المحلي، و90 بالمائة من إيرادات الحكومة.
ويقول (كوغان) إن السفارة الأميركية في بغداد، والجيش الأميركي يضغطان سرّاً ومن دون شك على علاوي والمالكي ليعملا المساومات الضرورية، ليشكلا الحكومة على جناح السرعة، وبما يناسب متطلبات واشنطن , وأشار الخبير السياسي إلى احتمالات أن تقوم الولايات المتحدة بالتدخل لتشجيع قيام انقلاب عسكري، إذا ما فشل السياسيون في تشكيل حكومة وطنية موحدة.
ويرى أن إدارة أوباما حالياً بصدد عملية تخفيض أعداد القوات الأميركية إلى مستوى 50,000 جندي بحلول 31 آب، لتوفير كادر عسكري بهدف تصعيد الحرب في أفغانستان.
واهتمام الإدارة الأميركية بالعراق ليس من أجل الديمقراطية، إنما من أجل (الحكومة الدمية) التي يمكن أن تبقي البلد متوحداً، ومنع أي عرقلة نحو الأهداف الأساسية، بالانفتاح النفطي على الإمبريالية العالمية، وضمان السيطرة الأجنبية على النفط العراقي، ومحاولة إبقاء قواعد عسكرية في البلد. والديمقراطية التي يريدها الشعب العراقي تتقاطع بالتأكيد مع هذه الأهداف , أما بخصوص التدخل الايراني في الشأن العراقي , فقد أعترف مصدر مقرب من سفارة الاحتلال الأمريكية في بغداد , قائلاً : أن لإيران دورًا سلبيًا تجاه العراق لأنها تسمح وتساند الكثير من الجماعات التي تعمل على زعزعة الواقع العراقي من خلال دعم الأحزاب ومليشياتها المرتبطة بها , وقال أن هذا الشيء أوضحناه للمالكي خلال فترة حكمه إلا أنه لم يجد حلاً سريعًا من خلال المصالحة الوطنية , وكان (بايدن) قد أشار سابقاً وفي مقابلة مع صحيفة (واشنطن بوست) الأمريكية إلى أن طهران أنفقت نحو مائة مليون دولار لدعم الأحزاب الموالية لها وتهميش غيرها , وكان رئيس الوزراء الروسي السابق، (يفجيني بريماكوف) قد أكد أن السياسات الأمريكية هي التي جعلت من إيران (قوة إقليمية) بمنطقة الشرق الأوسط .
وفي سياق متصل، اعترف وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، (هنري كيسنجر)، مؤخرًا، بأن الولايات المتحدة الأمريكية تساهم في سيطرة الأحزاب المرتبطة بإيران على منطقة الشرق الأوسط من خلال تركهم يسيطرون على العراق , وقال: إنه في حالة سيطرة هؤلاء المتطرفين على العراق، وأصبحوا المتسيدين على الباقين ومناطقهم وتطورت العلاقة مع إيران فإننا سنشاهد، انحرافًا جذريًا في التوازن الإستراتيجي في المنطقة، وهو ما ساهم الأمريكيون بوجودهِ , وقال كيسنجر: إن التوازن بين العراق وإيران قبل الغزو كان حقيقة أساسية وجيواستراتيجية معروفة في المنطقة , وأضاف أن ما سينجم عن العراق سيترك آثاره على المنطقة ككل.