تلعفر الحرة المستباحة   عدد القراء : 2150   .

 

لم تتعرض مدينة عراقية إلى ما تعرضت إليه مدينة تلعفر من تحريض طائفي مكشوف حيث تكالبت عليها أفاعي الشر من وكرها في الجمعية الوطنية وبغوغائية بائنة محرضة ومحفزة على النيل من اهلها الشرفاء الكرماء، فبعد محاولات عدة باءت بالفشل أمام صمود أهلها وبسالتهم في الدفاع عنها أمام الهجمات الشرسة للاحتلال الباغي جمعت هذه المرة عناصر التطرف الطائفي قواها وبإسناد من الأسياد الأمريكان متمثلة بميليشيا الجريمة التي ارتدت زي داخلية الإجرام حتى وصلت القوة المهاجمة إلى خمسة آلاف مليشياوي يساندها ثلاثة آلاف جندي أمريكي مدججين بالدروع والطائرات بانواعها للنيل من المدينة وبحجج وجود إرهابيين وتلفيقات أخرى بقصد النيل من أمن المدينة وأبنائها العزل الذي كان كل ذنبهم، رفض ذل ومهانة الاحتلال فوقفوا من قبل وما زالوا وقفات مشرفة حتى نالوا إعجاب العدو قبل الصديق.

حكومة الجعفري التي أصبحت متخصصة بالفعل في تنفيذ السيناريوهات القذرة المأزومة سارعت كعادتها في ممارسة الدجل مع الجريمة سوية، إلى إظهار الحملة في أبواقها الغوغائية الرخيصة على انها تأتي استجابة لطلبات أهل المدينة (حاشاهم) وذلك لأنها، أي سلطة جماعة الجعفري، اعتبرت أن مجاميع أهل الفتنة من الطائفيين واتباع (الغدريين) الدخلاء الجدد المزروعين زرعاً منهم والقدماء القلّة مع ذلك ومن محلة واحدة لا أكثر من محلات المدينة العديدة الواسعة، اعتبرت هؤلاء هم من يمثلون المدينة وهم من يستحقون الانتخاء لهم واستباحة حياة وبيوت الآلاف لأجلهم.
لقد ظهر الانشائي الركيك الجعفري على مسرح الحدث - الجريمة هذه المرة ولكن ليلعب دور الممثل الرديء في مسرحية القضاء على (الإرهابيين) في المدينة.
وكانت صورته على المروحية الأمريكية وهي تطوف فوق بعض ضواحي المدينة المهجورة، وكأنه بطل كاريكاتيري، أو ليبدو هكذا في نظر عائلته الميليشياوية وجمهورها الغوغائي المسعور والمتلهف لا سيما بعد حادثة الجسر إلى أية صورة مزيفة للبطولة تعوض شيئاً من خزي صورة العار التي التصقت بثوب زعمائه.
ولكن من أين تأتي البطولة هذه وتلعفر الحرة الباسلة كانت شبه خاوية حين اجتاحها الغزاة الجبناء وعملاؤهم الأكثر جبناً؟!.
ومن أين تأتي البطولة، وقد استخدمت قوات الاجتياح بعض الغازات السامة والاسلحة المحرمة ضد أحياء (القادسية) و(حسن كوي) و(السراي) و(رأس الجادة) وهي أحياء معروفة بهوية من يسكنها؟!. ومن أين تأتي البطولة وقد دمر القصف الإجرامي بيوت المدنيين في هذه الأحياء تحديداً ودفن النساء والأطفال تحت أنقاضها؟!. ومن أين تأتي البطولة وقد تحول سكان المدينة الاصلاء إلى نازحين ولاجئين تقطعت السبل بهم في خيام منظمات الإغاثة ويفصل النساء والأطفال منهم عن الرجال الذين يساقون فوراً إلى اقفاص الاعتقال؟!. ومن أين تأتي البطولة وسط فرار العديد من أفراد الألوية الميليشياوية وارتجاف سيقان آخرين منهم وهم يقتربون من بيوت المدينة المهجورة خوفاً من كمائن المقاومة وأشباح المجاهدين؟!.
والمصيبة أن قوات اللصوصية الطائفية قامت، بأوامر أسيادها، بضرب طوق صارم يمنع دخول وسائل الإعلام إلى المدينة عدا المدللة اليهودية ونعني بها قناة (العراقية) التي تفننت في رسم صورة الزيف وألاعيب الدجل والخداع وإثارة الحمية الطائفية المقيتة في أهازيج المسترجلين الجدد من افراد هذه القوات، ومع ذلك فإن مراسل العراقية ومصوريها الشرفاء جداً أنفسهم لم يسلموا من التوصية بعدم تصوير كل ما من شأنه فضح صورة البطولة المزيفة كأن يكون ظهور أحد ضباط الاحتلال المشرفين على حملة الاجتياح مثلا، لكن المشكلة أن صوروا أخبار مخيم (شرق تلعفر) الذي انشأه الهلال الأحمر العراقي، وصور المساعدات الإنسانية الخارجية، أكثر من كافية لتقوم مقام الفضح الصارخ أمام كل ذي ضمير وبصر وعقل في هذه الدنيا.
ولكي يكتمل مشهد الخزي فقد دخل أحد أدوات الاحتلال من جهاز الدفاع الموالي له على خط الكذب والعفرتة الفارغة المثيرة للشفقة في وقت واحد، وقال هذا الدعي المتأتئ، ان الحملة ناجحة وان القتل والاعتقالات على أحسن ما يرام، ولكي يستجدي تصديق الناس فقد اختار ارقاماً مبالغاً في دقتها، ومن المعروف ان من علامات الكذب المبالغة في دقة التفاصيل.
أما تهديداته الجوفاء لباقي مدن العراق الثائرة البطلة، فقد أخذ الشارع العراقي يتداول النكات اللاذعة حول التهديد وحول صاحبه الذي لم يحسن تربيته الأمريكان الذي عاش بينهم فبدأ مثل الغراب في القصة الشهيرة، (مضيع المشيتين) في قلة الأدب والعنترة الفارغة، لا هو يفعلها على الطريقة الأمريكية ولا على طريقة زملائه من العملاء (المتمرسين) الصغار.
ولكن الحمد لله، هناك من مواقف الشرف داخل المشهد المخزي ما يجعلنا نطمئن إلى أن تلعفر برغم كل ما حصل لأهلها، فقد استقال محمد راشد قائمقام تلعفر من وظيفته احتجاجاً على الحملة الإجرامية وقال لفرانس برس، إن العملية طائفية برمتها اذ ان الهجمة استهدفت السكان (السنة) والأحياء المعروفة بشدة مقاومتها للاحتلال وللعملاء في آن معاً.
لكن السؤال يبقى لا سيما بعد الأسلوب النوعي الذكي الذي استخدمه مقاتلو المقاومة في التعامل مع هجمة الاجتياح، وبعد تنفيذ سلسلة من الضربات الدقيقة الناجحة ضد قوات الاجتياح وزمر الحكومة الطائفية فاقدة الحياء والذكاء، وبعد بداية فصل جديد من آلام وعذابات النازحين واللاجئين في وطنهم وقرب ديارهم، وبعد فشل اللعبة الدعائية المستهلكة التي سئمها العراقيون والرأي العام العالمي أيضاً، هل تدوم الحال على ما هي عليه؟!.. التجربة علمتنا.. ان الجواب لا..