| قريباً من السياسة والتأريخ   عدد القراء : 1265   . بين الوعي، وتزييف الوعي، بين الثقافة، وزيف الثقافة خيط رفيع، ورفيع جداً لا يفلح في الاهتداء اليه، والاستدلال عليه، ثم توضيحه لاحقاً للناس - مهمة الثقافة الانسانية الجادة في كل الازمنة والامكنة- المفكر؛ المثقف، امام الهدى؛ فيلسوف الحق والانسانية بما يمتلكه من حس انساني وعقل استقرائي واحساس شديد بالمسؤولية الانسانية ازاء شعبه، أمته، قومه الخ، وتوفيق رباني في فهم شكل ومحتوى الظواهر الانسانية في سياقاتها التأريخية الصحيحة، ومعرفة استبصارية مترتبة على قراءة عميقة وتدبرية للتجربة البشرية في مجمل تطوراتها واختلافاتها في التأريخ الانساني وهذا ليس انكاراً لانسانية الانسان كيفما يكون او تمجيداً لمفهومية الاعراق او السلالات..الخ، ولكن توكيداً وإشارة الى طبيعة التوزيع الوظيفي للنشاط الانساني ودور النخب الفكرية والقيادات والصفوة وامناء الامم والشعوب في الحفاظ على ثوابتها الشرعية ومصالحها العامة. واذا كان القرآن الكريم يشير بوضوح وجلاء متميزين الى قيمة وضرورة فهم صيرورات التغيير التأريخي في النوع الانساني في نص الاية الكريمة ((إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)) جاعلاً نصب عينيه ان التغيرات التأريخية للامم لا تتم في سياقاتها السليمة الا عبر التغيير التأريخي الفاعل الشامل في الانفس اولاً، في نمطيات السلوك الثقافي التاريخي الصحيح كقيمة اولى واساسية في التغيير اولاً واساساً، ذلك الذي استدل عليه بعقله النير الاستباقي المثقف اولاً، كما اشرنا في بداية مقالنا هذا. واذا كان احد فلاسفة التأريخ، تعزيزاً لقيمة الكشف القرآني الدقيق هذا لا تعضيداً له، قال مرة وهو يحدد قيمة ودور الثقافة في توجيه الشعوب لتحديد مصالحها العامة (جئنا لنغير العالم لا لنفسره) معتبراً ان ناصية التغيير الاولى في الواقع الانساني؛ مقدمته الاساسية والضرورية هي وعي التاريخ على حقيقته وتوضيحه للناس ثم المساهمة في التغيير لصالح الانسان لا التوقف عند وعيه الزائف في فلسفة قوى الشر، قوى الهدم الانساني، قوى الظلم والاستكبار في مصطلحات القرآن الكريم والذي كثيراً ما تشيعه وبصياغات مختلفة بين الناس كلازمة اقترانية لها، فإن الثقافة التاريخية الجادة، الانسانية السليمة المقاومة الحقة، المسؤولة العميقة المتجردة من الاهواء والنزعات هي عادة ما يعول عليها في توجيه هذا التغيير وفي مساراته الصحيحة لارساء دعائم مصلحة الانسان فيه بابعادها الشمولية الرسالية.. فهي بوصلة هذا التغيير وتوجيهه حيث مصلحة الامة، الانسان لحمايته من ارتدادات انسانية فوضوية مشينة،العرق المقدس، حقوق الملوك المصانة، السلالات، ابناء الشمس، عبادة الذات الاستعلائية، الشوفينية الكفرية، الديانات الوضعية المتحجرة الخ.. والتي عادة ما تتبناها قوى الظلام والشر والردة كاغطية خداعة لتمرير هيمنتها على عقول الناس.. والثقافة- ابتعاداً عن ذلك الخلط بين مفهوميتها في العلوم الاجتماعية وبين ذلك الفهم المتداول بيننا نحن معشر الكتاب- ليست كماً من القيمة فرضت علينا من الخارج، من خارج تجربتنا الانسانية. بل هي حصيلة ذلك التفاعل المعقد بين عوامل البيئة الانسانية والتاريخية والجغرافية وتمثل ذلك الشعب لقيم ومفاهيم الدين وطبيعة الارث الثقافي الذي يعيشه مجتمع ما، هي ذلك الافراز الايديلوجي المعرفي العقائدي الحضاري للانسان في امة من الامم في شعب من الشعوب انها وعينا ولا وعينا، انماطنا السلوكية وفلسفتنا في الحياة وعقلنا الجمعي الذي يحكم الكثير من افعالنا وردود افعالنا اننا فيها وهي فينا. الا انها وان كانت هي ذلك الاجترار ذلك الاستمرار لنمطيات سلوكياتنا، فهي ايضاً تلك الكشافات التاريخية للاستدلال على مصالحنا في المستقبل. فما من امة تعيش خارج ذاتها في التاريخ دون ان تفقد مصالحها الحيوية، مصالحها الاستراتيجية الوجودية، والامم التي تنسلخ لسبب او لآخر عن ذواتها ستذوب يوماً لا محالة في غيرها فتفقد بذلك شخصياتها، تفقد بذلك مصالحها الحيوية. ولهذا، ولهذا لوحده فقد كانت- الثقافة- وما زالت هي فنارات الاستكشاف في رقي الامم، في امتلاكها لزمام امورها وتوجيهها بما يحقق لها رسالتها في الحياة، وبدونها- الثقافة- ستسقط الامم في ارتدادات تاريخية شاذة ومشينة.. لقد فقدت النازية 65 مليوناً بين قتيل وجريح، ثقافة عنصرية استعلائية غير انسانية قبل اي شيء آخر فيها، وكانت الشوفينية في كل هذا القتل الشنيع الذي مارسته طوال التاريخ البشري ضد غيرها ثقافة استعلائية عدوانية قبل اية صفة اخرى من صفاتها، وكانت الفاشية، وكانت رسالة الرجل الابيض، وكان (التمييز العنصري) وعشرات الثقافات الارتدادية الاخرى غير هذه، كانت ثقافات ارتدادية استعلائية شيطانية وحشية كلفت الانسانية ملايين الضحايا والعذابات والالام. ان التأريخ في مساراته العامة، وتلك التغيرات العنيفة والبطيئة فيه ما كان سيكون وفق ما كان عليه لولا افرازات الثقافة في الارث الانساني وهو وفي أية لحظة تاريخية مضت فيه كان على ابواب خيارات هائلة من التنوع والتشكيل واللاعقلانية من التبلور. ولولا ذلك المفهوم الثقافي الذي تحكم بالجنس البشري لما قرأنا تاريخ الانسانية وفق ما قرأناه عليه، حتى ليصح، ويصح كثيراً ان نصرخ عالياً، ولكن من نحن لولا ثقافتنا؟ كان التاريخ سيكون على بوابات لا تحصى من التجليات لولا وعينا، ثقافتنا، ممارستنا للفعل الحضاري المناسب، وللفعل الحضاري اللامناسب، لولا ان الثقافة هي التي صاغتنا اخيراً وفق ما كنا عليه من تشكل في التاريخ البشري، فهي دلالات افعالنا التاريخية الحضارية السلوكية في حياتنا. ما هي اشكالية الثقافة هذه التي نعيشها نحن اهل العراق في وطننا الجريح ما هي اشكالية الوعي وتزييف الوعي الذي نعيشه نحن أهل العراق في وطننا المحتل. ان الغزاة واذناب الغزاة يخادعوننا برسم ملامح اشكالية ثقافية مزيفة في وطننا العراق، وعي مزيف وليس حقيقياً لتمرير لعبتهم ولعبة اسيادهم في تمزيق الامة كل الامة وبغض النظر عن مسمياتها. والهيمنة على مقدراتها، وسلخها من وجودها العقائدي الحضاري ومسخها في كيانات هشة وهزيلة واذلالها لصالح اليهودية العالمية، وتمزيقها في دويلات طائفية عرقية خائبة متعادية فيما بينها وضعيفة في مواجهة الاعداء، اشكالية ليست حقيقية وهي ابعد ما تكون عن صيرورات التشكل التاريخي الشاذ الذي نعيشه والذي ستعيشه امتنا العربية والاسلامية من بعدنا والركون اليها. ثقافة الزيف - سيلقي بالعراق في اتون محرقة تاريخية كارثية ستؤدي بنا وفي سنين معدودة الى موت حضاري مهين. اما اشكالية العراق الثقافية في جوانبها السياسية والاقتصادية والعقائدية والحضارية التي نعيشها نحن اهل العراق فهي ليست من تلك الاشكالية التي رسمها ومازال يرسمها الاحتلال واذناب الاحتلال. ماهي حقيقة الواقع السياسي الاقتصادي الاجتماعي الذي نعيشه نحن وفي ظل الاحتلال؟ وكيف السبيل للخروج منه؟ ماهي حقيقة ودوافع وابعاد ورؤى الاحتلال الامريكي للعراق مقترناً بنوايا امريكا في امركة العالم وجعل القرن الواحد والعشرين قرناً امريكياً؟ ما هي فلسفة اميركا في احتلال العراق وكيف السبيل للنفاذ من شباكها؟ ماهي دوافع وفلسفة هذه الهويات الماضوية الضيقة لما قبل الانسانية التي تدفع قسراً الى تمثلها بديلاً عن العراق البوابة الشرقية للوطن العربي؟ ما هو حجم اليهودية العالمية في كل هذا الذي يحدث فوق ارضنا؟ ما هي الآفاق؟ ماهي البدائل الشمولية الانسانية التي ينبغي طرحها في ساحتنا؟ كيف نعزز من خيارات المقاومة في العراق؟ ماهو البناء الذي علينا ان نشيد فوقه فلسفة العراقي الجديد في ما بعد الاحتلال. وعشرات المحاور الاخرى ممن هي مثل هذه وعشرات الطروحات الجادة العميقة الانسانية المسؤولة المعجونة بدم وخيارات الشهداء... ذلك ما ينبغي لوعي تاريخي سليم ان يتعاطاه في بدائل ثقافية للعراق وأهله للعراق وأمته بل للعراق والانسانية جمعاء. وفي هذه النقاط الساخنة تبرز قيمة وأهمية المثقف - لامة او فئة المثقف- الامة المفكر- الامة الفيلسوف- الامة، امام الهدى- الامة في الاهتداء والاستدلال على مرتكزات ثقافة الامة وثوابتها الشرعية وارثها العقائدي الحضاري الثقافي وهويتها وذاتها، وشخصيتها الضاربة عميقاً في التاريخ، اذ لا أحد يستطيع فضح ومجابهة ثقافة الزيف التي تتخبط بها سوى المثقف الامة والوحدة.. ان احدهما يتقمص الاخر في شبه آصرة حدسية صوفية هو -المثقف- يتقمص الامة، والامة تتقمصه لقد (كان ابراهيم أمة) وكان عمر المختار أمة، وكان سيد قطب أمة وكان احمد ياسين امة وكان كل اولئك الذين رفعوا رايات الجهاد عالياً في ساحات الوغى في تاريخ الامة أمة، وصارت هيئة علماء المسلمين وكل من آزرها في طرد المحتل ورد هذه الغارة عن ارض واوطان المسلمين امة وصار من يجود بدمه شهيداً أمة. واذا ما تصفحنا تاريخ الامم فما أكثر ما نجده من المثقفين ما هو أمة في شعبه ووطنه فأية أوسمة يعلقها هذا المثقف فوق صدره وهو يحدو بامته صوب شواطئ العزة والشرف والامان والمسؤولية، واية لعنة تطارده في دنياه وآخرته هو مثقف الزيف هذا، مثقف الخداع ربيب قوى الشر والهدم والظلام ((يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون الا انفسهم وما يشعرون)). |