قصة قصيرة/حوار داخلي   عدد القراء : 1283   .

قطع شوطاً كبيراً في دراسته الاكاديمية وحصل على شهادة مرموقة توفر له نوعاً من الاحترام بين الناس وامتلأ رأسه بكثير من الكتب في مختلف العلوم الانسانية، وكان يتابع الاحداث السياسية في بلاد المسلمين وما يعصف بهذه الامة من فتن واحزان، كان يدور في خلده ان لابدّ لقيد هذه الامة من ان ينكسر، وان الامة في نهوض، وقد بدأت صحوتها منذ عقدين من الزمن وانه لابدّ ان يولد في خلال هذين العقدين قائد يأخذ بزمام هذه الامة الى مصاف الامم الحية...
ولكن.. دارت على هذه الامة احداث جسام وحروب دموية استنزفت دماءها وثرواتها واورثت في بعض ابنائها الذل والخنوع والخضوع.
وبينما هو يلوك هذه الافكار في غرفته المعزولة دخل عليه والده الشيخ الكبير الذي بلغ العقد الثامن من عمره فبادر ليجلس والده على كرسيه الوحيد في غرفته وجلس هو على السرير فسأله والده:
- ما بك يا بني اراك مهموماً؟
- فأجابه كيف لا أكون مهموماً يا أبي ونحن نسير من سيئ الى اسوأ، وحالنا لا تسر عدواً ولا صديقاً.
- اتقصد حال العائلة أم الامة؟
- نعم اقصد حال الامة.
فقال والده يا بني مهما بلغت من دراستك وقراءاتك فقد يفوتك الامل بأن الامة تضعف ولكن لن تموت لانها هي وحدها من بين امم الارض المستخلفة ((وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض)).
فهذه الامة هي الامة المنصورة والغالبة بإذن الله.
يا ابي اريد ان اسألك عن حالنا الذي نعيشه هذه الايام، فالناس منقسمون مابين مؤيد للاحتلال وآخر مناهض له وآخر آثر الصعود على التل واكتفى بأن يتفرج.
- نعم هذا حال جميع أمم الارض يا ولدي فالأمم عندما تتعرض الى مصائب لا يكون الجميع على مستوى واحد من التفكير، فالناس يا ولدي منقسمون كل على مشربه، فمنهم اصحاب المبادئ والاخلاق النبيلة، وهؤلاء ليس لهم الا المناهضة والمقاومة بشتى اساليبها ولو حتى بالكلمة.
ومنهم اصحاب المنافع، وهؤلاء اين تكون منفعتهم يكونون ولا يهمهم تحت اي نظام يكونون فالمهم كيف يقتنصون الفرص كي يحصلوا على مرادهم.
اما القسم الثالث والخطير فهو عدم الاكتراث لما يجري في الساحة وقد اختاروا التل ليكونوا في منائ وفي منجى عما يجري، وهم بذلك يشبهون كثيراً تفكير ولد نوح عندما اختار الجبل لينجو من الطوفان ، ونقول لهم ما قال  نوح لابنه ((لا عاصم اليوم من امر الله الا من رحم)).
- طيب يا والدي، وما هو الحل؟
- الحل يا ولدي هو ان تعرف الحق وتلتزم به ولا يضرك من خالفك مترسماً خطى حديث النبي صلى الله عليه وسلم (حتى اذا رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً واعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخويصة نفسك لا يضرك من خالفك).
اما الصنفان الآخران، الانحدار نحو هاوية العمالة والانطواء على النفس والاكتفاء بالمراقبة فهما في دائرتين بعيدتين كل البعد عن المنهج الصحيح في ردة فعل المجتمعات تجاه الاحداث الجسام.