| من سفر المقاومة العراقية الخالد   عدد القراء : 3242   . خزانة الجهاد.. (أبو محمود) عاشق (الآر بي جي) شهيد العشرة الأواخر! أثار الفلم الأميركي، الذي تناول الحرب في العراق، زوبعة إعلامية مفتعلة، بعدما تم مزج الفن بالسياسة، ودمج الكذب بالعهر، ليخرج على العالم بشكل مخالف لحقيقة ما يجري على الأرض، ويحصد رغم ذلك تسعة من جوائز الأوسكار، التي يتم توزيعها بحسب أمزجة وأهواء عناصر البنتاغون والـ(سي آي أي) والموساد، رغم أنه أقل الأفلام المشاركة في مسابقة الأوسكار من حيث الإيرادات المالية في دور العرض السينمائية، وأقلها تكلفة، ما يدل على أن الرأي العام العالمي يدرك حقيقة هذه الأفلام التي تفوقت، في عدم واقعيتها، على أفلام الخيال العلمي الذائعة الصيت. حسين المعاضيدي (خزانة الألم) هو عنوان ذلك الفلم الذي يحاول المحتلون من خلاله ترويج دعاية كاذبة لبطولات زائفة لمرتزقة جاؤوا ليحتلوا بهم بلداً أوجد أول القوانين الوضعية حتى قبل أن تبرز قارتهم التي يقطنون فيها إلى الوجود، والتي سلبوها من سكانها الأصليين، الهنود الحمر، الذين أقاموا على جماجمهم إمبراطورية الشر التي تعيث اليوم فساداً في كل أرجاء المعمورة، شرقاً وغرباً. قصة فلم (خزانة الألم) يتحدث عن بطولة كاذبة لخمسة من جنود الاحتلال، يصورهم الفلم على أنهم أبطال خرافيون، لم تنجب حتى أساطير الأقدمين مثل براعتهم، حيث يقومون بتفكيك العبوات الناسفة بكل يسر وسهولة، وكأنهم من وضعوا دائرتها الكهربائية، في محاولة لإبهار المشاهدين بذكاء وفطنة وحنكة زائفة لجنديهم المحتل، أخزاه، وأخزاهم الله معه. من هنا كان علينا أن نرد على صانعي الفلم وملفقي الكذب والدجل السياسي والفني بحقائق على الأرض، من خلال استعراض سيرة واحد فقط من المجاهدين الأبطال، الذين يحاول الفلم تشويه صورتهم، وإظهارهم على أنهم مجموعة من حملة السلاح لا يفقهون شيئاً غير الهرب أمام بنادق المحتل، في حين أن الواقع يؤكد أنهم الأصلح ليكونوا أبطال فلم من واقع الحياة، ليس بخرافي، وليس بزائف وليس بكاذب ولا مزوق، بل حقيقي وصادق حد النخاع، وسيكون هو الرد البليغ على ترهات الأميركان، وأبطال استديوهاتهم الهوليودية البائسة. ردنا على ترهات أميركا وأبطالها الكارتونيين يكون باستعراضنا لسير أبطالنا الحقيقيين، ومنهم (أبو محمود) الذي هو من ضمن سلسلة طويلة من الشجعان الذين سقوا بدمائهم الزكية شجرة الحرية، بعدما أستقل قطار الشرف والعزة والكرامة، قطار الشهداء الذي لا يستقله إلا من نذر نفسه وحياته وماله ودماءه لنصرة هذا الدين، دفاعاً عن هذه الأمة، ورداً لكيد الطغاة، ليصبح زهرة في بستان الحق، ونجماً في فضاء العز، وقمراً في ظلمات الدجى، بل قل شمساًً في سماء الوجود. الفلوجة كانت النشأة كنيته (أبو محمود)، في مقتبل الثلاثينات من العمر يوم رزقه الله الشهادة، له من الإخوة ثلاثة، نشأ في مدينة الفلوجة، وترعرع في أحيائها البسيطة، وتحديداً في حي الجولان، وعرف عنه بين أهالي الحي وبين رفاقه بكرمه، رغم عسر حاله، وشجاعته رغم بساطته، كان من الشباب الملتزمين دينياً ذو خلق طيب، كان محباً للخير، يسير في كل جنازة يسمع بها سواء أعرف صاحبها أم لم يعرفه، ويحرص أن يشارك بنفسه في دفن الميت بحثاً عن الأجر والثواب، لم يكن يمتلك دخلاً شهرياً من أية جهة، لهذا فقد أعتاش على ما يحصل عليه من بيع وشراء الأغنام، حيث تجده يبيع نعجة هنا ويشتري خروفاً من هناك، يبيع عنزة ويشتري كبشاً، وكان ما يحصل عليه بالكاد يغطي مصاريف عائلته، فقد كان مسؤولاً عن إعالة عائلة كبيرة، والديه وثلاثة من الإخوة، إلى جانب أبنائه وزوجته، ورغم عسر حاله المادي والاقتصادي إلا انه كان دائم السؤال عن حال عائلات الشهداء والأسرى ويحاول بأية طريقة مساعدتهم. بدأت الهموم تطارد (أبو محمود) منذ أن وطئت أرض الرافدين أقدام المحتلين، أرض السواد التي لم يدنسها يوماً غازٍ إلا ونال نصيبه من العذاب والهلاك والموت، قبل أن يناله عار الدنيا وخزي الآخرة الأبدي. سقطت بغداد أسيرة بيد المغول الجدد، فحزن لذلك (أبو محمود) حزناً لم يحزنه من قبل حينما أدرك مدى الخطر الذي يتربص بدينه وبلده، فأصبح الشغل الشاغل لعقله وقلبه، فراح يتنقل على علماء الدين، وأئمة وخطباء الجوامع، ليبحث معهم ما آل إليه الوضع، ويؤخذ منهم فتاوى تبيح جمع السلاح من مخلفات والمخازن التي خلفها الجيش العراقي السابق بعد احتلال بغداد، فتولى (أبو محمود) مهمة جمع السلاح، وأخذ على عاتقه مع مجموعة من الشباب المجاهد جمع أكبر كمية منه وتكديسها وتخزينها من أسلحة خفيفة، إلى ثقيلة، فقنابر هاون، وقذائف المدفعية والصواريخ، المنوعة المدى والأحجام، استعداداً للعمل الجهادي القادم. كان يعشق سلاح (الآر -بي جي) بعد أن أنجز مهمة جمع الأسلحة وبعد أن أحتل الغزاة مدينة الفلوجة وهيمنوا على كامل ترابها، كما هو حال جميع أراضي العراق، تمركز المحتلون في بناية القائمقامية وسط الفلوجة، وكانت المجاميع الجهادية لم تتشكل بعد، فكان يحمل سلاحه (الآر بي جي) والذي كان يعشقه بشدة، بعد أن يضعه في كيس مع عدة قذائف ويتوجه ليلاً سيراً على قدميه ولمسافة تفوق الكيلومتر إلى حيث مقر قوات الاحتلال ليقوم بإطلاق صاروخ أو صاروخين متعاقبين على المقر، أو على إحدى الآليات المتواجدة على بابه، ثم يسارع للانسحاب تحت جنح الظلام في الشوارع والأزقة الخلفية والحارات الضيقة حتى يعود إلى داره ويخلد إلى النوم وهو يشعر بالرضا عما قام به. لكن الله تعالى أغدق على (أبو محمود) في تلك الأيام برزق وفير من تجارة بيع الغنم فتمكن من شراء دراجة نارية راح يستقلها ويركنها على مقربة من خطوط الانسحاب التي وضعها لنفسه، وكان يكرر هجماته الانفرادية على مقر الاحتلال في بناية القائمقامية، وكان في كل مرة يستهدفهم من زاوية جديدة حتى لا يتم استمكان المكان الذي يهاجمهم منه، وكان في كل مرة يخلف وراءه دماراً كبيراً في صفوف المحتلين تكشف عنه كثافة النيران ونور الصباح الذي يثلج مشهد سطوعه عن الخسائر صدور المؤمنين، وبعد تلك المثابرة أنضم إليه ستة من أصدقائه المقربين الذين شكلوا معه أول خلية جهادية لمقاتلة القوات المحتلة في مدينة الفلوجة، فتطور العمل إلى نصب كمائن للمحتلين لاسيما للدوريات الراجلة التي تنتشر بغزارة في ذلك الوقت، إلى جانب زرع عبوات ناسفة على الطرق التي تسلكها آليات الطغاة، فأوقع مع رفاق جهاده خسائر كبيرة في صفوفهم، وكان يتناوب على استخدام سلاحي القاذفة الصاروخية (الآر بي جي) التي كان يعشقها بشدة والـ(بي كي سي) التي يستخدمها عادة في الاشتباكات مع الدوريات الراجلة. وفي أحد الأيام التي تفخر بها مدينة الفلوجة، وبعد تشكل العديد من المجاميع الجهادية إلى جانب مجموعة (أبو محمود)، قرر نصب كمين موسع لقوات الاحتلال، فاتفق مع العديد من المجاميع الجهادية التي تكاثرت، بفضل من الله، على نصب كمين ليلي لرتل للقوات الغازية في الحي الصناعي عند المدخل الغربي للمدينة، وحينما وصل الرتل وكانت برفقته طائرتين من نوع (أباتشي) لحمايته أصر (أبو محمود) على تنفيذ المهمة، رغم صعوبتها في ظل وجود الطائرات التي صعبت من المهمة كثيراً، وحين وصول الرتل أنبرى له المجاهدون بمختلف أنواع الأسلحة فتم إحراق ثلاثة من آليات الرتل بعد إصابات دقيقة تسببت في مقتل جميع من كان بداخلها، وهو ما دفع الطائرات المرافقة للرتل إلى التدخل فراحت تمطر المهاجمين بالرصاص والصواريخ والتي كانت جميعها برداً وسلاماً عليهم باستثناء صاروخ تسبب في مقتل أعز رفاق (أبو محمود) الذي تم حمله على الأكتاف وإخلائه من منطقة الاشتباكات، فانسحب جميع المجاهدين بسلام، فيما تألم (أبو محمود) كثيراً لأن الله أختار إلى ذمته وحبل جواره رفيقه المقرب، فيما نجا هو، وهو ما حز في نفسه كثيراً كونه كان يتمنى الشهادة. تم نقل جثة رفيق جهادهم إلى داره حيث فوجئ أهله بانضمام أبنهم إلى مجاميع الجهاد، فأسروا بانضمامه إلى قوافل الشهداء، وتم دفنه في مقبرة الفلوجة، بعد أن وضعه رفيق دربه وجهاده (أبو محمود) في قبره وهال عليه التراب بيديه. توالت الأيام الصعبة على (أبو محمود) ففقد كذلك خاله الذي كان يحبه بشكل كبير، إلى جانب بتر ساق صهره، حينما كانا مرابطين على حدود مدينة الفلوجة، بعد تعرضهم إلى قصف عنيف بالطائرات، فضلاً عن مقتل عشرات المجاهدين في المعارك الشرسة التي كانت تجري في مختلف شوارع الفلوجة، فقرر الفارس(أبو محمود) الثأر لكل هؤلاء الأبطال الذين ذادوا عن حمى الدين والعرض والشرف، فكمن لدورية راجلة، طالباً من رفاقه منحه سلاح الـ(بي كي سي)، الفعال في الاشتباكات، بدلاً من قاذفة الصواريخ التي كانت لا تفارق كتفه، وانتظر جنود الاحتلال الذين كانوا في مرمى نيرانه، فأومأ إليه بقية أفراد الكمين ليمنحهم إيعاز الهجوم، لكنه ألزمهم بالصبر، راغباً في اقتراب الجنود أكثر، ليرى بعينه، كما كان يقول، كيف تتمزق أجسادهم العفنة برصاص حماة الدار وأنصار الدين، وما أن أصبحوا على بعد خطوات لا تتجاوز العشرة أنبرى لهم (أبو محمود) وأخذ سلاحه يرعد ويزمجر وهو يسقيهم كأس الهلاك، وسط تكبيراته التي علت حتى على صوت الرصاص الذي راح يمطر به جنود الاحتلال، الذين تساقطوا وتحولوا إلى أشلاء متناثرة، ففر من نجا، في حين ظلت جثث سبعة منهم ممزقة ومرمية على الأرض، شاهدة على بسالة (أبو محمود) وفداحة خسائر المحتلين. قبلة المجاهدين كانت الأيام تسير متسارعة حيث أقبلت على الفلوجة بوادر حرب كبيرة، بعد أن نشط المجاهدون بشكل كثيف فيها، حيث أصبحت قبلة للمجاهدين من كل حدب وصوب، وبعد محاصرة المدينة من قبل قوات الاحتلال الأميركي، التي اضطرت إلى ترك المدينة والهرب منها، تم توزيع المهام القتالية بين المجاميع الجهادية فتم الإيعاز إلى مجموعة (أبو محمود) بحماية حدود المدينة من جهة حي الجولان، فخاضوا في ذلك اشتباكات عنيفة جداً، دفاعاً، وصداً، ومنعاً للمحتلين من دخول المدينة في تلك المعركة التي غيرت موازين القوى، وقلبت الطاولة رأساً على عقب، وكشفت عن استراتيجيات وخطط عسكرية مذهلة نفذتها المجاميع الجهادية التي تمكنت، وبسلاح بسيط، من دحر أكبر ترسانة عسكرية في الوجود، كاسرة هيبة الجيش الكوني الأوحد، وممرغة أنفه في التراب. خاض (أبو محمود) واحدة من المعارك الشرسة في ذلك الحي، والتي انتهت بتعرضه إلى إصابة بليغة في بطنه بعد استهدافه بصاروخ أخطأه بقليل من طائرة (أباتشي)، فتم نقله إلى مستشفى الحضرة المحمدية قبل ان يتم نقله بعد ذلك عن طريق نهر الفرات وعبر الزوارق إلى منطقة الحلابسة حيث يقيم عدد من أعمامه وأقاربه هناك، فأقام هناك لمدة ثلاثة أيام فقط، رافضاً الابتعاد عن ساحة الجهاد، رغم إصابته البليغة، مصراً على العودة إلى إخوانه المجاهدين الذين كانوا يخوضون غمار معركة الفلوجة الأولى والالتحاق بفيالق الجهاد من جديد، وحينما وصل إلى رفاقه فوجئوا بعودته، وجراحه لا تزال تنزف، فطالبوه بالعودة إلى بيت عمه، فراح يتوسل بهم أن لا يحرمون أجر مشاركتهم، حتى لو أقتصر عمله على حشو مخازن البنادق، وأشرطة الـ(بي كي سي). وقبل أن يكتسب كامل عافيته حصل اختراق من قبل المحتلين من منطقة الحي الصناعي غربي المدينة، فسارع إلى حمل السلاح بنفسه، رغم جراحه التي لا تزال تنزف، وسارع مع بقية إخوته لصد الهجوم وإجبار القوات الغازية على الانسحاب من تلك المنطقة التي تعد بوابة الفلوجة، بل بوابة النار، وظل أبو محمود يتنقل من حي إلى آخر حتى تم إيقاف الحرب وإعلان انتصار المجاهدين في تلك المعركة. الرباط ثم الرباط توقفت المعركة ولم تتوقف الحرب، فقد ظل أبو محمود مرابطاً ليلاً على حدود الفلوجة، في حين يسارع نهاراً إلى أماكن بيع وشراء الأغنام حيث يحاول أن يؤمّن قوت عائلته وعياله، وكم كان يشعر بالفرح والسرور كلما حصل على ربح وفير، ليس حباً بالمال، وإنما ليتمكن من المرابطة والتفرغ لجهاده وقت أكثر حينما يؤمن قوت يومين أو ثلاثة قادمات بعد ذلك صدر الأمر إلى (أبو محمود) من قبل قادة الجهاد بالانتقال إلى العاصمة بغداد قبيل معركة الفلوجة الثانية لحاجة الساحة الجهادية هناك إلى رجال بشراسته، ليقطعوا الطريق، ويضربوا المقرات الخلفية لقوات الاحتلال التي كانت تنوي مهاجمة الفلوجة للمرة الثانية، وإشعال ساحة بغداد في حال اندلاع المعارك من جديد لتخفيف الضغط على مدينة الفلوجة. تنقل (أبو محمود) في عدة أحياء في العاصمة بغداد، لاسيما في الجانب الغربي من العاصمة، كأحياء الغزالية والعدل والعامرية، وراح يعد الكمائن برفقة مقاتلين هناك، ودخل في معارك عدة حتى أصيب للمرة الثانية في إحدى الاشتباكات التي جرت على الطريق الدولي السريع عند مدخل مدينة بغداد مع رتل للمحتلين كان في طريقه إلى مدينة الفلوجة، فاستقرت الرصاصة في ساقه الأيمن، فتم نقله إلى إحدى الدور، حيث عولج هناك على وجه السرعة، وبعد تماثله للشفاء من تلك الإصابة عاد إلى بيته وجلس دون عمل لعدم قدرته على السير، فأعاد عائلته التي رافقته إلى بغداد إلى مدينة الفلوجة، بعد أن وضعت معركة الفلوجة الثانية أوزارها، فيما بقي هو خارج المدينة ينام في كراجات النقل لعدم امتلاكه تكاليف النقل والسكن، حتى قدر الله أن أحد رفقاء جهاده شاهده ينام يوماً في أحد الكراجات، فساءه حال (أبو محمود) فأعانه على توفير سكن له، حتى كتب الله له الشفاء التام ليصبح مستعداً ثانية لخوض غمار المعارك، وهو ما كان. توالت الأيام وتقادمت فاشتاق (أبو محمود) إلى زيارة بيت الله الحرام، فيسّر الله له ذلك ومكنه من الذهاب للعمرة، وهناك وقف عند إحدى أستار الكعبة، وانهارت دموعه، وراح يبكي بحرقة، متوسلاً إلى الله أن يرزقه الشهادة، وان يقتل مقبلاً غير مدبر، وفي العشرة الأواخر من شهر رمضان الذي كان حينها على الأبواب. الشهادة أولا وأخيرا وهو يهم بمغادرة بيت الله والحرم المكي، بعد ان أدى مناسك العمرة، التقى بصديق له لم يره منذ سنين يسكن اليوم في محافظة أخرى، فودعه وداعاً حاراً، مؤكداً له أنه لن يراه ثانية، إن استجاب الله لدعواه ورزقه الشهادة التي يرجوها، وحينما وصل إلى العراق أتصل بأحد اقرب المقربين منه من رفاق الجهاد في مدينة الفلوجة، وسأله عن مقبرة الشهداء، وسأله أن كان لا يزال فيها مكان لقبر إضافي، ليتم دفنه فيها في حال قتل في سوح الوغى، طالباً منه إيجاد محل له فيها ليكون برفقة الكثير من إخوة دربه الذين سبقوه ممن دفنوا فيها، موصياً إياه بكتابة كلمات أنشودة كان دائماً ما يرددها في المعارك. وفي ليلة الثاني والعشرين من رمضان اشتبكت مجموعة يقودها (أبو محمود) مع عدة آليات لقوات الاحتلال الأميركي على الطريق السريع في حي العدل غرب العاصمة بغداد، وكان لـ(أبو محمود) دور كبير في إلحاق الهزيمة بقوات العدو في تلك المعركة التي سدد الله، عز وجل، فيها رميه ليطلق صاروخاً من قاذفته الـ(RBG7) على دبابة للمحتلين كانت تقف بجوارها دبابة ثانية، فقدر الله أن تنفجر الآلية الأولى وتنتقل الإنفجارات إلى الثانية نتيجة قربها من الثانية، فتم إحراق الآليتين بصاروخ (أبو محمود) الواحد، وتلك حالة يندر حدوثها في المعارك العسكرية، وأثناء الانسحاب من المعركة، بعد نفاد ذخيرة المجاهدين نتيجة طول المعركة وشراستها، تعرض الأسد الهصور أبو محمود إلى قذيفة أطلقتها دبابة معادية فأصيب إصابة مباشرة فارق على إثرها حياة فانية مع اثنين من رفاق جهاده نحو خلود أبدي بإذن الله، ليتقبل الله دعاء (أبو محمود) وتصبح تلك واحدة من علامات صدقه مع الله، فصدق الله معه. زف جثمان (أبو محمود) الذي ترجل عن صهوة جواده إلى مدينة الفلوجة، وشيع تشيعاً مهيباً، لما عرف عن جهاده وتضحيته في سبيل الله، ونصرة دينه، وحماية هذه الأرض الطاهرة التي تنقل عليها هنا وهناك، حتى اختاره رب العباد ليسكنه حواصل طير خضر عند سدرة المنتهى، نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحداً، في وقت نثرت النسوة الورود، ووزعن الحلوى، بعد أن تعالت زغاريدهن احتفاءً بشهادة أسد الفلوجة، الذي ووري الثرى في مقبرة الشهداء، كما أوصى بذلك هو تقبله الله. ولمن يريد أن يعرف مكانه فليبحث بين القبور عن (أنشودة) نقشت على قبره بطلب منه تقول كلماتها: (دعيني أقاتل وسيري معي وشدي وثاقي أو شجعي، ولا تجزعي ان ضممت الجراح وسرت بعز إلى مضجعي). ولكن قبل ذلك على من يدخل تلك المقبرة أن يخفف الوطء فان أديمها من أجساد رجال، لم تنجب الأيام مثلهم أبداً، منذ عصر الصحابة الكرام، رجال قهروا الطغاة، وذبوا عن الأرض والعرض، حماة الدين، رجال هم (خزانة جهاد) هذه الأمة، ممن سقوا المحتل من (خزانة الألم)؟. |