دراسة تحليلية   عدد القراء : 876   .


الأمثال القرآنيـة
عبد الرحمن فاضل
الحلقة(40)
تحدثت في حلقة سابقة عن مثل في قصة سورة الكهف الكريمة دارحول الرجلين اللذين تحاورا في شأن الحياة الدنيا ومتعتها، وفي هذه الحلقة يأتي الجواب ليعم الحياة باسرها، فإن أعجب احد بجنته الخاصة فليعلم ان الدنيا وما فيها لن تدوم لاحد. وهنا ينتهي كل الكلام فقد حق القول، وصدق الله حين قال: (وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً).
ولنقف عند الشرح:
يقول تعالى:( واضرب لهم مثل الحياة الدنيا) اي: يقول تعالى لنبيه (صلى الله عليه وسلم) :واضرب لحياة هؤلاء المستكبرين الذين قالوا لك اطرد عنك هؤلاء الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي، وهذا الكلام متصل بما قبله من الايات التي مرّ ذكرها  او المعنى : اذكر لهم صفتها العجيبة التي هي في الغرابة كالمثل. ثم بيّن هذه المشابهة وهذا المثل قائلا:( كماء انزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض) أي: ان حياة الانسان هذه كالماء اختلط بسببه النبات بعضه مع بعض، ويجوز ان يكون المعنى كماء اختلط بالنبات، والنبات اختلط بالماء حتى روى ورف رفيفاً، فالباء في قوله (فاختلط به) سببية، ثم بعد هذا (فاصبح هشيما) اي محطما و الهشم الكسر ومنه سمي(هاشم) لانه هشم الثريد لقومه، ولما كان الحال هكذا في تهشيم، فانه يكون عرضة للتناثر والتطاير ،وهو ما يصدّقه قوله تعالى (تذروه الرياح) أي: تفرقه الى كل جهة وصوب فلم يعد له مستقر بعد ان تحطم. وقرأ ابن عباس (رضي الله عنهما):( تذرية الرياح) وقرأ الحسن (رحمه الله) (تذروه الريح) والذرو : الرمي في الهواء، قيل شبه الحياة الدنيا بالماء؛ لأن الماء لا يستقر في موضع، ولان الماء لا يستقيم على حالة ولأن الماء يبقى ويذهب وهكذا الدنيا ولأن الماء ينفع بقدر فاذا زاد أضر، وكذا الدنيا الكفاف فيها ينفع وفضولها يضر.
وفي حديث النبي (صلى الله عليه وسلم) (قال له رجل يا رسول الله : اني اريد ان اكون من الفائزين؟ قال :ذر الدنيا وخذ منها كالماء الراكد، فان القليل منها يكفي، والكثير منها يُطغي).
وحدث ما حدث من خراب الدنيا لانه سبحانه :( وكان الله على كل شيء مقتدرا) أي:  قادر على تخريب الجنة الدنيوية، وازالة الكافرين عنهم، وغير ذلك مما يشاء لا يعجزه  شيء.
بهذا المشهد القراني البديع تنتهي قصة هذا المثل والذي عرض لمحة خاطفة تلقي في النفس ظلا من الفناء والزوال، فالماء ينزل من السماء فلا يجري ولا يسيل، ولكن يختلط به نبات الارض والنبات لاينمو ولا ينضج كما هو الحال المعلوم، فالمطر خير، ولكن هذه الصورة تثير وتشير الى امر اخر بعيد عن عيون البشر امر يلوح بانتهاء الحياة بهذا الشكل السريع، ولقد استخدم النسق اللفظي للقران في تقصير مدة هذه الحياة.
مشهد التعقيب بحرف (الفاء) حين قال تعالى: ( كماء انزلناه من السماء (فـ)اختلط به نبات الارض (فـ)اصبح هشيما تذروه الرياح) فما اقصرها من حياة، وما اهونها.
وهذا التشبيه هو تشبيه معقول بمحسوس، لأن الحالة المشبهة معقولة، لان الناس لم يروابوادر هذا الامر المنصوص.
بقي ان نشير الى اهم مواعظ هذا المثل وهي:
1- التحذير من الوقوف عند بهجة الحياة الدنيا، وزخارفها الغرارة، روى ابو هريرة (رضي الله عنه) ان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال (يا ابا هريرة : تريد ان اريك الدنيا؟ قلت :نعم، فاخذ بيدي وانطلق ، حتى وقف بي على مزبلة رؤوس الادميين ملقاة، وبقايا عظام نخرة،وخرق بالية، تلوثت بنجاسات الادميين. فقال يا ابا هريرة: هذه رؤوس الادميين تراها كانت مثل رؤوسكم، مملوءة من الحرص والاجتهاد على جمع الدنيا، وكانوا يرجون من طول الاعمار ما ترجون، وكانوا يجدون في جمع المال وعمارة الدنيا كما تجدّون، فاليوم قد تعرّت عظامهم، وتلاشت اجسامهم كما ترى، وهذه الخرق كانت اثوابهم التي كانوا يتزينون بها وقت التجمل، ووقت الرعونة التزيين، فاليوم قد القتها الرياح في النجاسات، وهذه عظام دوابهم التي كانوا يطوفون اقطار الارض على ظهورها، وهذه النجاسات كانت اطعمتهم اللذيذة التي كانوا يحتالون في تحصيلها، وينهبها بعضهم على بعض، قد القوها عنهم بهذه الفضيحة التي لا يقر بها احد، من نتنها، فهذه جملة احوال الدنيا كما تشاهد وترى، فمن اراد ان يبكي على الدنيا فليبك، فإنها موضع البكاء).
2- الاشارة الى ان العمل الصالح يبقى ويدوم الى يوم الحساب ويفوز هناك، فكأن الحياة بمثابة الماء والخضرة، والنضارة بمنزلة النعيم والعزة.
3- الزهد في هذه الدنيا البالية، فهي في سرعة زوالها كنبات اخضرّ ثم اصفرّ ثم انعدم وفي الحديث ( الدنيا كسوق قام ثم انفض) قال القشيري ( رحمه الله) ( من وطن النفس على الدنيا وبهجتها وغرته بامانيها وخدعته بالاطماع فيها ثم انها تخفي الصاب في شرابها والحنظل في غسلها والسراب في مآلها تعد ولا تفي بعداتها وتوفي افاتها على خيراتها.نعمها مشوبة بنقمها وبؤسها مصحوب بمأسوفها، وبلاؤها ضمن عطائها الغرور من اغتر بها والمغبون من انخدع فيها).
ختاما نقول:
الدنيا شقيقة النفس وقرينتها وهي مائلة اليها في كل الاوقات ومن ادركته العناية الالهية بعد تعلق الروح بالجسد كمتعلق الماء بالارض يبعث الله اليه من الاولياء والانبياء ما يبذر فيه بذر الايمان والتوحيد ليلقيه بيد الدعوة الى الله تعالى وتبليغ الرسالة في ارض نفسه فيقع منها في تربة طيبة وهي القلب.