تأملات في حال اللغة والناطقين بها   عدد القراء : 647   .


محمد الخليفة
انزل الله سبحانه وتعالى، القرآن الكريم، باللسان العربي المبين، لعلمه الأزلي، انه هو الأقدر والأغنى والأحوى، فهو يستطيع أن يحوي ما لا يتناهى من الألفاظ ومدلولاتها وهى كلمة كبيرة، يحتاج الخوض في تفاصيلها إلى أسفار وأسفار. وهو بعد ( اى اللسان ) هو المعجز لأنه حمل القرآن المعجز، فالمعجز لا يستوعبه إلا المعجز فتأمل:
ثم إن هذا اللسان لأمتنا لهو كالسحر لأمة موسى (عليه السلام)، فقوم فرعون ومن عاصرهم كان منتهى جهدهم، وغاية إنجازهم و إعجازهم هذا السحر الذي كانوا يتعاطونه، ومن ثم كانت العرب تعتبر أن سحرها هو هذا اللسان. أما سمعتم الرسول (صلى الله عليه وسلم) يقول ( إن من الشعر لحكمة وان من البيان لسحراً).
ذلك لأنه نهر مياهه الإفصاح والتعبير، وشاطئاه الجمال والروعة، فهذه القدرة على البيان في الشعر نتيجتها هذه الحكمة والتأمل، وان كانت الرواية الثانية بورود كلمة ( حكماً ) بدلا من (حكمة ) فإنما الحكمة هي التي تؤدي إلى الحكم، فالرواية الثانية هي متضمنة للمعنى الأول، كما قال تعالى (وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ) وقال الشاعر:
فكن كأبيك أو كأبي براء
 *** توافقك الحكومةُ والصواب
فكذلك الرسول (صلى الله عليه وسلم) أوتي جوامع الكلم، وما أوتيه إلا بهذا اللسان الفصيح، وكذلك هؤلاء الخطباء والشعراء، الذين بثوا شعرهم، الذي يتمثل به الى اليوم، فهو ميدان القادرين، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
إذن فالأولون أجادوا هذا الفن أيما إجادة, لأنهم تعاطوا الفصاحة من مصادرها، كأنما رضعوها مع لبان أمهاتهم، فجاءت كلماتهم قويةً معبرةً قارعةً للسمع متسربةً في القلب، فإن قام خطيبٌ في الناس قائل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً، فانه لا يحتاج إلى الإسهاب والحشو وأن يدور بألفاظ كثيرة حول معنى واحد، فما يصيبه إلا بعد جهد ولأي إن أصابه، كحال الأكثرين، في عصرنا هذا في هذه الأيام. بل لو أنك لاحظت أيها القارئ الكريم إن أكثر خطب الماضين، لا تتجاوز - لو تأملتها نصف صفحة من كتاب متوسط الحجم. فيكون خطيبهم أوصل ما أراد ، بأوجز كلمات.
والأكثرون هذه الأيام حالهم في اللغة، لا يسر صديقا ولا ينكؤ عدوا، فأصحاب المنابر، خطاؤون لحّانون، وعنيت بأصحاب المنابر، المتخصصين، مثل خطباء الجمع، أو خطباء السياسة، أو المذيعين، المطلين من شتى نوافذ أجهزة الأعلام المختلفة.
فهذا تخصصهم، وهذه صنعتهم، ومجالهم الذي لا يدورون على غيره، فان كان ذلك كذلك، فإنما كلٌ صاحب صنعة هو احذق في صنعته، ومن الطبيعي أن يكون أهل مكة أدرى بشعابها.
فكم من سيبويه غضب، أو أنه لم يغضب لكثرة ما سمعه من اللحن، حتى صار ذلك عادة، والأدهى من ذلك وأمر ، هو ان اصحاب التخصص في اللغة هم ايضاً ، لا يكاد يستقيم لأحدهم لفظ بلا لحن ، فقد سئل بعض ممن يدرسون النحو : أنت أستاذ في هذا الفن فلماذا تلحن ، فأجاب إجابة يمكن ان يقال لها دبلوماسية ، حيث قال (النحو حرفتنا واللحن ُ عادتنا ، فلن نترك عادتنا لحرفتنا ) مجرد مهنة ! (انا لله وانا اليه راجعون).
ومن الاسباب التي أوضعت خلال اللغة ، وفتت في عضدها ، هو انحسار ثوب الدين، في عقودٍ سابقة ، ثم عودته نوعاً ما ، على غير اللسان الفصيح ، ثم ان من اهم الاسباب لذلك ، هو ضعف الأمة العام وازاحتها من الريادة الى الزيلية ، وطبيعي أن يتبع المغلوب الغالب ، وان يترك القوم لغتهم القوية الى لغة غيرهم الضعيفة ،حيث صارت قوية بقوة اهلها وضعف قومنا التابعين لهم.
اما قومنا فلم يتقنوا لغات الاخرين ، ولم يجودوا لغتهم فصار امرهم بين بين ، مذبذبين لا الى هؤلاء ولا الى هؤلاء ، ولعلك تعلم ايها القارئ الكريم ان العرب حينما وصفت الفصيح من الرجال ، قالت ، فلان بليل الريق ، قليل الحركات أي لا يخونه تعبير ، ولا يعترضه افصاح ، لان ذخيرته واسعة ، وفكره ثاقب ، وبديهته حاضرة ، وهذه من حسنات ( بنت عدنان ) الحبيبة ، وليس كالعامية ، او كالغات الاجنبية ، تحتاج الى الالفاظ المساعدة ، لاقامة التعبير الصحيح ، ففي العامية مثلاً يقال ( انا قاعد اقوم بكذا ) وفى الفصحى تقول ( أنا أقوم بكذا).
ونعود لاخواننا المذعين والمذيعات على الاخص ، تجد ان لهم اخطاء جلية في نطق اللفظ الفصيح فربما قلدوا شعوباً عربيةً اخرى ، فجأت الفاظهم المائلة الى عاميتهم ، والجانحة الى غير عاميتهم ، بليّ الرقبة والتعمل ، مجانبة للحسن والنطق السليم نابية عنها الآذان.
فمثلاً المصريون من شانهم التفخيم للأحرف عامة ، والسودانيون من شأنهم الترقيق للأحرف عامةً وعلى الاخص حرف (الراء)، أما في اللغة الفصيحة فللراء أحوال تفخم فيها ولها احوال أخرى ترقق فيها ، بالفتح أو الضم ّ هي مفخمة وبالكسر هي مرققة ، فيأتي المذيع او المذيعة السودانية ، والتي هي اصلاً في عاميتها ترقق تأتي الى الراء المكسورة في كلمةٍ ما فتخمها على غير طبيعتها في الفصحى وعلى غير طبيعتها في لهجتها الدارجة ، فتصك اذاننا غير طيبة.