| وسائل الإعلام وإفساد الذوق اللغوي   عدد القراء : 635   . يوسف عز الدين
مما لا جدال فيه وجود صراع واضح الأثر بين العاميَّة والفصحى في مختلف مضامين الحياة اليومية، ونجد ذلك في المدارس والجامعات، ووسائل الإعلام، وهي ساحات لحماية الفصحى والذَّود عنها؛ لأن العامية داء استشرى بين العرب. بدأت الظاهرة منذ بداية عصر النهضة، وأحس بها الغيارى، ودافعوا عن الفصحى مثل الرافعي وحافظ إبراهيم وغيرهم، وقد عرف من دعاة العامية وليم سبيتا الذي أراد إثبات رأيه فوضع كتابه قواعد اللغة العاميّة في مصر، وطالب بأن تكون العامية لغة الآداب، والعلوم، والفنون، ورأى الفصحى محدودة في المفردات، وظن أن هناك اختلافاً كبيراً بينها وبين العاميّة، وقال بأن الفصحى تؤخر الحضارة. وفاته أنها اللغة التي دامت طوال القرون الطويلة، واستوعبت ثقافات الأمم وحضارات العالم، وازدهرت بها، وما نزال نفهم الكثير من الأدب الجاهلي والإسلامي والأموي بيُسر وسهولة، وأن الإنجليز اليوم لا يفهمون لغة جوسر CHAUCHR ولا لغة شكسبير، ولغة كتابهم إلا بواسطة المعاجم على الرغم من قصر عمر الإنجليزية واللغات الأخرى، واضطرت الشعوب الغربية إلى التخلص من اللاتينية، واستعمال الشعبية؛ للبعد الكبير بينها وبين الإيطالية والفرنسية والأسبانية. دعاة العامية: وجاء ولكوكس WILCOKS الذي كان في دعوته يهاجم الفصحى ويسخف اللغة العربية، ويزعم أنها عاجزة عن مسايرة ركب الحياة الحديثة، وادعى أن الشعب المصري تأخر؛ لأنه لم يستعمل العامية، وعاقته الفصحى عن الابتكار والاختراع، ونشر إعلاناً في مجلة الأزهر يغري فيه باتخاذ العاميّة لغة للكتابة والأدب قال فيه: من قدم لنا هذه الخطبة باللغة الدراجة المصرية وكانت موافقة جداً يكافأ بإعطائه أربعة جنيهات (إفرنكية)، وإن كثر المتقدمون فيعطى هذا المبلغ لمن يحوز الأولية. والدعوة إلى العاميّة انتشرت في كتابات الغربيين والعرب. ومن الغربيين كارل فولرس الألماني FULLERS (ت 1909م) الذي هاجم الفصحى؛ لأنها جامدة، فلم تساعد المصريين على النهضة الفكرية والتقدم الحضاري، وحسبها كاللاتينية التي ماتت، فألف كتاب (اللهجة العامية) في مصر 1890م، كما ألف (سلدن ولمور) الإنجليزي كتاباً سماه (العربية المحلية في مصر)، وحسب أن اللغة الإنجليزية ستسيطر على مصر، واتفق هؤلاء على ضرورة جعل العامية لغة العلوم والآداب والفنون، ولعلي أستغرب من الأستاذ (أحمد لطفي السيد) تساهله في قبول المسميات الأجنبية ورأيه بأن العربية فقيرة، وأن لغة الجمهور ستخرج الفصحى من جمودها، وأن يكون الصلح بين العامية والفصحى، وعندها تستعمل مفردات العامية وإن وضع شرط عدم الابتذال ولكنه يعود فيقول: يجب أن نتذرع إلى إحياء العربية باستعمال العامية ومتى استعملناها في الكتابة اضطررنا إلى تخليصها من الضعف، وجعلنا العامَّة يتابعون الكُتّاب في كتاباتهم، والخطباء في خطاباتهم، والممثلين في رواياتهم. وأعمال مجمع اللغة العربية في مصر دليل على أن الفصحى قادرة على استيعاب الجديد عندما وضع عدداً كبيراً من معجمات متعددة في كل العلوم الحديثة، وما زال يوالي عمله ومعه مجامع اللغة العربية في دمشق والأردن وبغداد والمغرب.
|