| قراءة لما بعد الإنتخابات والإمتحان الحقيقي لهشاشة العملية السياسية   عدد القراء : 1255   . د. نزار احمد
تعودنا بعد كل جولة انتخابات أن نرى انقسامات وانشقاقات جديدة في مكونات الحزب الواحد نتيجة عدم وضوح مناهج وبرامج الأحزاب المشتركة في العملية السياسية وفقدانها لرموز الهرم وطبيعة هذه الأحزاب الدكتاتورية فالأحزاب السياسية العاملة على الساحة العراقية ليست سوى دكاكين تبيع مصالح عناصرها الخاصة مما عادة ينتج عن تحصيل حاصل تضارب وتطلعات المصالح الخاصة الانقسامات والانشقاقات. أيضا تعودنا أن نرى الحقد والانتقام هي العوامل المشتركة لساسة العملية السياسية فما تحطمه حمى الانتخابات من صلات قرابة مابين الأحزاب لا يستطيع الزمن بناءه مرة أخرى. ايضا بدأنا نشاهد تحولا جذريا في العملية السياسية وهو الانفراد بالسلطة والسيطرة على المؤسسات المستقلة التي تدعم وتكمل العملية الديمقراطية كالإعلام والقضاء وهيئات المساءلة والعدالة والنزاهة والمفوضية العليا للانتخابات وتسخير هذه المؤسسات من اجل اقصاء وتهميش وتسقيط الخصوم. العوامل اعلاه سوف تفرز سمومها على مستقبل العملية السياسية حال انتهاء الانتخابات البرلمانية القادمة وعلى الأغلب اما سوف تعيد الحرب الأهلية التي مزقت العراق ما بين اعوام 2004-2008 او لربما تؤدي إلى اندلاع ثورة شعبية تصحيحية وهذا هو الاحتمال الأكثر حدوثا. بما فيها الانتخابات البرلمانية القادمة التي سوف تقام وفق القائمة النصف مغلقة النصف مفتوحة حيث سوف يكون توزيع المقاعد البرلمانية بين القوائم المتنافسة وفق الأصوات التي تحصل عليها مكونات القائمة الواحدة مجتمعة, اما اختيار العناصر الفائزة بمقاعد القائمة الواحدة فيتم عن طريق الأصوات التي حصل عليها مرشحو القائمة الواحدة فإن الانتخابات القادمة سوف تكون عبارة عن انتخابات داخل انتخابات فبالإضافة إلى معرفتنا بعدد المقاعد التي حصلت عليها كل قائمة سوف نعرف ايضا عدد المقاعد التي حصلت عليها كل مكون من مكونات الائتلاف الواحد وهذا بحد ذاته سوف يحدد مدى متانة الائتلافات المشكلة مما سوف يسفر عنه انقاسامات وخلافات عدة بين مكونات الائتلاف الواحد حال معرفة ثقل كل مكون, فجميع الاتفاقات السابقة وعمليات توزيع الحصص والمناصب سوف تسقط جميعها لأنها بنيت على افتراضات لا واقع لها, فمثلا يتصرف المجلس الإسلامي الأعلى على انه المكون الأكثر شعبية داخل الائتلاف الوطني العراقي حيث لاحظنا خلال الاسابيع الماضية قادة المجلس الاعلى يرسمون سياسة ومستقبل الائتلاف الوطني ويعقدون الاتفاقيات السابقة لأوانها مع رؤساء باقي الائتلافات ويشكلون جبهات مستقبلية وفق الافتراض القائل بأن المجلس الاعلى سوف يكون له حصة الاسد في المقاعد التي يحصل عليها الائتلاف الوطني العراقي. ماذا يحصل اذا مثلا حصل الصدريون على حصة الاسد من المقاعد التي حصل عليها الائتلاف؟. فهل سوف يقبلون بترأس عمار الحكيم لهذا الائتلاف؟. وهل سوف يقبلون برئيس وزراء يختاره المجلس وما شابه ذلك؟. أكثر الائتلافات هشاشة هو الائتلاف الوطني العراقي حيث ان باقي مكوناته باستثناء مجموعة المجلس والتيار الصدري لاوزن لها على الساحة العراقية. فتيار الاصلاح (ابراهيم الجعفري) والمؤتمر الوطني وحزب الفضيلة لايملكون الثقل الجماهيري الذي يروج له هذا الائتلاف وعلى الاغلب فإن كل ما سوف يحصل عليه تيار ابراهيم الجعفري عبارة عن مقعدين او ثلاثة على اقل تقدير, والكلام نفسه ينطبق على حزب الفضيلة الاسلامي, اما المؤتمر فحاله حال باقي مكونات الائتلاف الاسلامية والعلمانية فكل ما سوف يحصل عليه هو مقعد برلماني يتيم وشخصيا أتوقع فشل عناصر المؤتمر حتى في الفوز بمقعد برلماني يتيم. وهذا الكلام ينطبق أيضا على حزب الدعوة فرع الداخل. فشخصيا اتوقع اكثر من 90% من المقاعد التي سوف يحصل عليها الائتلاف سوف تكون من نصيب مجموعة المجلس الاسلامي الاعلى (المجلس وحركة بدر والجهاد والبناء) والكتلة الصدرية. شخصيا اتوقع عدم حصول الائتلاف على اكثر من ستين مقعدا برلمانيا موزعة بالتساوي مابين مجموعة المجلس والكتلة الصدرية وذلك لطائفية مكونات الائتلاف الرئيسية وارتباطها المباشر بإيران وكثرة فساد وطغيان ودكتاتورية ونفاق عناصرها الرئيسية. حيث إن ستين مقعدا سوف لن تكون كافية لرئاسة حكومة مقبلة مما سوف يسبب خيبة امل شديدة وصدمة لعناصر الائتلاف الذين بدأوا ومنذ أسابيع بعقد الصفقات الجانبية لتشكيل الحكومة القادمة. تقارب حصص المجلس والصدريين سوف يولد صراعا قويا حول رئاسة الائتلاف مضافا إليه حدة الخلافات الجوهرية بين المجلس والصدريين. فالمجلس يؤمن بمرجعية السيستاني بينما يرفضها كليا الصدريون الذين يؤمنون بولاية فقيه ايران ويتخذون من الحائري مرجعا لهم. ايضا يؤمن الصدريون بالمقاومة المسلحة وضرورة مقاتلة الأمريكان بينما يرى المجلس في الامريكان حليفا وساندا لهم. الحالة الوحيدة التي سوف تمنع الائتلاف العراقي الوطني من التفكك هي فوز الائتلاف باعلى مقاعد برلمانية وحصول المجلس على حصة الاسد من هذه المقاعد وكلا الحالتين من الصعب جدا تحقيقها. فالائتلاف العراقي الوطني سوف يتمزق كليا حال معرفة عدد مقاعد كل مكون من مكوناته مما سوف يمهد الطريق الى اعادة النزاع المسلح الدموي بين مليشيات المجلس والصدريين. ايضا على الاغلب سوف ايضا تحدث انشقاقات داخل المجلس نفسه كانفصال حركة بدر عنه وترك عناصره القيادية كعادل عبد المهدي وجلال الصغير وهمام حمودي. اما ائتلاف دولة الفافون فهو ائتلاف الحزب الواحد (الدعوة) وائتلاف الشخص الواحد (نوري المالكي), فحزب الدعوة طرح الاسماء نفسها التي ارتبطت بفساد وفشل عناصر ومكونات الحكومة الحالية مما سوف يزيد من فرص انتخاب مرشحي الائتلاف المغمورين وغير العائدين الى حزب الدعوة وهذا الائتلاف هو الآخر معرض للتمزيق إذ في حالة فشل حزب الدعوة من الفوز باغلبية مقاعد الائتلاف فإن الائتلاف سوف يتمزق وثانيا في حالة عدم حصول الائتلاف على مقاعد برلمانية كافية لتشكيل حكومة فإن الائتلاف سوف يتمزق لأن دخول مكونات الائتلاف مع المالكي وحزبه (حزب الدعوة) ككتلة مستقلين وباقي وزراء الحكومة كان على افتراض اعادة انتخاب المالكي لدورة ثانية والحفاظ على مناصبهم الوزارية, ايضا حتى اذا فاز ائتلاف دولة الفافون باغلبية برلمانية فإن هذه الاغلبية وباعتراف ابرز عناصره سوف لا تتعدى المائة مقعد برلماني مما سوف يكون بحاجة الى خدمات قائمتين رئيسيتين على اقل تقدير لتشكيل حكومة قادمة, وهذا من المستحيل تحقيقه بوجود نوري المالكي لأن اغلب الاحزاب لا تثق به وقد وضعت الفيتو مسبقا على اعادة ترؤسه للحكومة المقبلة, مضافا اليه رفض المالكي للحكومة التوافقية. وهنا سوف يكون امام عناصر الحزب خياران: الاول هو التمسك بالمالكي وفقدان فرصة رئاسة الحكومة. والثاني هو الانقلاب عليه وهو الاحتمال الاكثر واقعيا مما سوف يمهد الطريق الى انشقاق آخر في حزب الدعوة. السيناريو اعلاه ينطبق ايضا على التحالف الكوردي ففي حالة عدم فوز الاتحاد الوطني الكوردستاني بمقاعد مساوية للمقاعد التي يحصل عليها الحزب الديمقراطي الكوردستاني وهذا متوقع بعد الانشقاق الذي حصل في الاتحاد الوطني فإن من الصعب جدا الإستمرار بالشراكة المتساوية التي شاهدناها خلال السنوات الست الماضية. أما القائمة العراقية فهي الاخرى سوف تعتمد استمراريتها في التواجد ككتلة برلمانية متماسكة على المقاعد التي تحصل عليها كتلة علاوي فاذا حصل مثلا اسامة النجيفي على مقاعد اكثر من مقاعد علاوي فإن مستقبل تماسك العراقية سوف يعتمد على مدى قابلية علاوي على ترك رئاسة القائمة للنجيفي, فاذا تمسك علاوي في حق رئاسة القائمة فإنها هي الاخرى سوف يصيبها الانشقاق. شخصيا اتوقع حدوث انقسامات وشقاقات في جميع الائتلافات الرئيسية الستة حال انتهاء عملية فرز الاصوات. مما سيولد وضعا سياسيا يكون فيه هناك اكثر من ثلاثين حزبا وكيانا يتنافسون على تشكيل الحكومة بحيث لايملك اي منهما اكثر من ثلاثين مقعدا في البرلمان وبعد شهور من مباحثات واتفاقيات وصفقات ماراثونية تشارك بها امريكا وايران والاتحاد الاوربي والامم المتحدة سوف تتمخض عنها حكومة محاصصة جديدة اسوأ من الحكومة الماضية يسودها الخلافات غير المنتهية والحقد والكراهية ومحاولة كل مكون منها تهميش واسقاط باقي المكونات والانفراد بالسلطة والقاء اللوم على الآخرين (Finger pointing)مما سوف يمهد الطريق لعودة الفتنة الطائفية واقتتال المليشيات والعناصر المسلحة فيما بينها. في وقتها سوف يقتنع الشعب العراقي بأن لا خلاص له من الفوضى السياسية والمصلحية ونفوذ وفساد احزاب اليوم سوى القيام بثورة شعبية وشخصيا اتوقع حدوث الثورة الشعبية خلال السنتين الاولى من عمر الحكومة المقبلة. وان غداً لناظره قريب. فمن يحفر قبرا لاخيه يقع فيه.
|