كان توني بلير في حاجة إلى كثير من الوقاحة والغطرسة لكي يعلن حقيقة نواياه حيال الحرب على العراق ، بدل المضي في نهج الإنكار الذي اتبعه طوال الوقت ، ذلك أن أحدا لم يكن بوسعه أن يفرض عليه الاعتراف بالحقيقة التي اعترف بها صراحة في حديثه إلى البي بي سي حين قال إن أسلحة الدمار الشامل كانت مجرد حجة ، وأن عدم توفرها كان يعني استخدام ونشر حجج مختلفة.
ياسر الزعاترة
هذه الحقيقة هي ما كنا نؤمن به طوال الوقت ، وقد قلنا مئات المرات إن غزو العراق في عقل جورج بوش والمحافظين الجدد ، ومعهم حليفهم الأبرز (بلير) كان محطة أساسية لخدمة البرنامج الصهيوني بعد وصول مشروع أوسلو إلى جدار مسدود في قمة كامب ديفيد صيف العام 2000 ، ومن ثم اندلاع انتفاضة الأقصى ، وأن الأساطير الدينية التي حركت بوش لم تكن بعيدة عن قناعات بلير (بالمناسبة كان الأخير يتحدث مع محررة البرنامج الديني في البي بي سي) ، وإن غلب عليه البعد السياسي ممثلا في تكريس التحالف التاريخي مع الولايات المتحدة جورج تينيت ، رئيس (السي آي إيه) قال إن جورج بوش قد دخل البيت الأبيض وقرار غزو العراق في جيبه ، ما يؤكد أن لا صلة للغزو: لا بأسلحة الدمار الشامل ، ولا حتى بهجمات الحادي عشر من أيلول في الولايات المتحدة.
إنها الحقيقة التي جاء بلير بعد سنوات طويلة لكي يفضحها ، وعلينا اليوم أن ننتظر كلام صديقه بوش لكي يدلي باعترافاته ، ويتحدث عن قناعاته الدينية التي ضخها في عقله قساوسة الكنائس المعمدانية الجنوبية حول أسطورة (هرمجدون) ، التي ستكون مقدمة لمجيء المسيح المخلص بعد أن يتجمع كل اليهود في أرض الميعاد.
الأرجح أن بوش لن يعترف بكل الحقيقة ، ربما لأنها تنطوي على أبعاد لاسامية على اعتبار أن تكملة الأسطورة تقول إن اليهودي بعد المعركة إياها ، إما أن يدخل في المسيحية أو يقتل ، وهو ما يعرفه اليهود تماما ، لكنهم يقولون بالكثير من الانتهازية دعونا نتمتع بدعم هؤلاء ، وعندما يأتي موعد المعركة إياها ، سيكون لكل حادث حديث.
بعد أيام لا أكثر من نهاية الغزو ، وبقدر لافت من غرور القوة وزهو الانتصار جاء بلير إلى العراق لكي يقول على مسمع العالم أجمع ، إن نتيجة المعركة ستحدد ملامح القرن الجديد ، وهو ذاته ما كان يقوله سادة المحافظين الجدد ، تحديدا الصهاينة منهم الذين أقنعوا بوش بأن غزو العراق سيعني تكريس الولايات المتحدة زعيمة للقرن الحادي والعشرين.
بكثير من الجهل ، معطوفا على غرور القوة والغطرسة نسي هؤلاء أن في هذه البلاد أمة من نوع مختلف ، قد تهزم ، لكنها لا تستسلم للهزيمة ، ففيما كان بلير يبشر بالتحول الجديد ، كنا ومن دون تردد نبشر بالمقاومة التي ستفشل مشروع الغزو ، والتي أضاءت فلسطين ومقاومتها الإسلامية شعلتها في المنطقة ، وهو ما كان على نحو أذهل الغزاة والعالم أجمع ، فما هي سوى أيام حتى كان العراقيون الشرفاء ، ومعهم أناس قدموا من خارج العراق يشرعون في تفجير الألغام في دروب المشروع وجنوده وأحلامه.
لم يفرح بلير بانتصاره ، بل ظلت لعنة ذلك الانتصار تلاحقه حتى أخرجته مذموما مدحورا من عشرة داوننغ ستريت ، فيما ترك حزبه يتخبط بخسارات متوالية رغم الإنجازات الاقتصادية الجيدة التي تحققت في عهده ، وصار مثل صاحبه جورج بوش عنوانا لجنون الإمبريالية في أسوأ طبعاتها ، لا سيما بعد توالي فضائح الغزاة من أبو غريب إلى الفلوجة وسواها.
بعد فشله في خدمة المشروع الصهيوني في غزو العراق ، بدأ بلير ، وبترتيب مع صاحبه بوش في البحث عن مسار آخر ، فكانت قصة مندوب الرباعية في فلسطين ، وها إنه يعمل بشكل يومي على إعادة تشكيل الحياة والناس في الضفة (إلى جانب الجنرال دايتون في المسار الأمني) من أجل تثبيت واقع الدولة المؤقتة ، أو السلام الاقتصادي الذي يريده نتنياهو ، وهي مهمة بالغة السوء ، ينبغي أن يدركها الفلسطينيون ، بدل أن يخرج من بينهم من يحتج بصفاقة على صراخ شاب فلسطيني في وجهه (وجه بلير) ، بينما كان الأصل أن يرشقه بمئة حذاء.
واثقون أن روح المقاومة التي دمرت أحلام بوش وبلير في العراق ، ستدمرها ها هنا في فلسطين التي لن يبيع شعبها كرامته ومقدساته من أجل عطايا المانحين واستثماراتهم ، حتى لو وجد من أبنائها من يصفق لبلير ويمدح إنجازاته ، ومعه الجنرال دايتون.