كارثة جسر الإمامين بين البعد الإنساني والأبعاد السياسية   عدد القراء : 1089   .

هل من مصادفة أن توجد هذه العلاقة العكسية بين سعر برميل النفط في العالم و قيمة قطرة الدم العراقية ! هل من مصادفة أنه كلما ارتفع الأول أي النفط رخص الدم العراقي اكثر فاكثر.. ربما بوش وبلير هما الاقدر على توضيح سبب هذه المعادلة ، المربحة والمريحة لهما ، والمجحفة بحق الشعب العراقي .
 ارجو المعذرة اذا بدأت مقالتي بهذه المقدمة المحزنة ، لكن الألم يعتصر قلوبنا منذ ان بدأت اخبار الكارثة لإخواننا زوّار الإمام الكاظم -رضي الله عنه وأرضاه - تتوارد ونحن لا نصدق ما نرى و ما نسمع.
 كنت اتمنى من الجميع ان ينظر الى هذه الكارثة في بعدها الإنساني و الإنساني فقط ، لكنها كانت امنية في ما يبدو بعيدة المنال. تمنيت ذلك كي لا يتم تجيير الحادثة لصالح مكاسب سياسية و لكي لا تتم المتاجرة بالدم العراقي البريء لأغراض غير بريئة ! فهل كانت الزعامات والقوى والشخصيات السياسية ستسمع لما نقول وننصح ؟ الحادثة ان نظرت اليها نظرة مجردة - خالية من السياسة - يمكنك الحكم عليها بانها مجرد قضاءِ و قدر، قياسا على حوادث التزاحم في التجمعات الكبيرة في موسم الحج مثلا او في الملاعب الرياضية التي تشهد مواسمها زحاما شديدا.. و بذلك ينتهي الجدال ليتوجه الجميع ، بدل التلاسن وتبادل الاتهامات ، كما هو شأن الشعوب المتحضرة الى الإسراع بنجدة المرضى و المنكوبين و دفن الموتى وإسعاف وانتشال الغارقين...لكن الجدال لم ينته ..و لن ينتهي .. لسببين : وجود من سيجد نفسه في قفص الاتهام امام الجماهير .. ووجود من يريد استغلال هذه الفرصة من القوى والشخصيات لتحقيق مكاسب سياسية أكثر مما قد حصلت عليه لحد الآن.. بل ومنهم من المسؤولين من يدفعه السببان في آن واحد.. ومن يتابع وسائل الاعلام الموجه يتفاجأ بان الأغلبية منهم لم تجد الا شماعة (الارهاب والجماعات الارهابية) لترمي عليها مبررات هذا الحدث الكارثي !ولكن ما هو هذا الأرهاب المزعوم؟ انه ( الشبح ) الخفي الذي دخل العراق مع دخول الاحتلال.. فإن لم يكن قضاءا و قدرا وتبحثون عن ( السبب ) فهل السبب هو ( ذلك الارهاب الذي جاء به الاحتلال ) ام هو الاحتلال نفسه وما أفرزه من أوضاع أمنية وسياسية وخدمية كارثية !! أليست معاهدة جنيف السادسة تلزم المحتل بالحفاظ على الأمن تجنبا لمثل هذه الأحداث و الكوارث من أن تطال الأبرياء؟ وان قالوا الأمن اليوم بأيدٍ عراقية ( وزارة الدفاع و الداخلية ) فهل نسي هؤلاء انهم قد اعلنوا سريان (قانون الطوارئ) في البلاد منذ زمن؟ وهل فَهِمَ هؤلاء من اكبرهم الى اصغرهم معنى (قانون الطوارئ) ولماذا وكيف ومتى يطبق؟ هل يبيح هذا القانون السماح بتجمعات كبيرة للأبرياء في احوال أمنية متفجرة لا قدرة للوزارتين واجهزتهما على التحكم بها؟.. وسؤال آخر: اذا كانت ( اشاعة ).. مجرد اشاعة أدّت الى ما يزيد عن ألف شهيد.. ماذا لو تمكن فعلا وفي تلك اللحظة مخرب حاقد على العراق واهله مدفوع من الموساد أو غيرها من ترك متفجرات او سيارة ملغومة وسط الجموع ..هل كنا سنشهد تضاعف الألف شهيد الى آلاف وآلاف من القتلى لا سمح الله.. وقد فعلها أولئك المخربون من اهل الفتنة صبيحة اليوم نفسه باطلاق القذائف على الزائرين لزرع فتنة طائفية لم تعد أغراضها تخفى على ذكاء الشعب العراقي الفطن.  نقول طالما فتحتم باب (الأسباب و المبررات) للحادث فما حكمكم على ما شهد به الشهود من قيام ( الحرس و الشرطة ) الواقفة على رأس الجسر وكعادتهم في كل مكان وآن بإطلاق العيارات النارية في الهواء دونما سبب ! أيّهما أقوى في التأثير النفسي ( الاشاعة ) ام ( اطلاق الرصاص ) المدوي على بعد متر او مترين من تلك الجموع ، وما يعنيه هذا الفعل من وجود خطر قريب؟ و اذا كانت الاشاعة هي الفاعل فهل من قدرة الدفاع او الداخلية او كائنا من كان أن يقطع دابر مثل تلك الشائعات كي لا تتكرر المأساة؟ ان الركون على سبب الاشاعة في هذه الفاجعة لهو أمر يدعو للدهشة والاستغراب في بلد نسمع فيه يوميا العشرات من الشائعات .. ولكنها والحمد لله لا تقتل أحداً!
لعلكم الآن، والآن فقط علمتم لماذا بدأت مقالي هذا بالمقارنة بين ثمن النفط المتصاعد و رخص الدم العراقي في كل ارجاء بلدنا الحزين.. ولكن يبقى الدم العراقي غاليا عزيزا على الجميع لا تفرقه الطائفية او العرقية وهو ما مطلوب من الشعب العراقي ان يثبته للمحتلين و غيرهم، وهنا لا بد لنا من الإشادة باهلنا و اشقائنا من كافة الشرائح والأطياف ولا سيما أهالي الأعظمية الأكارم ، الذين دفعهم واجبهم الوطني والانساني للقيام بواجب الرفادة والمساعدة قبل الحادث والاغاثة والنصرة بعده حتى بذلوا احد ابنائهم السبّاحين شهيدا وهو ينقذ الغرقى وينتشل الموتى من دجلة ، ولا ننسى اهل الفلوجة الذين كانوا أسرع من بادر الى التبرع بالدم كذلك، محققين بذلك مكسبا وطنيا سياسيا يؤكد اللحمة الوطنية و الرابطة العراقية بيننا العصية على التمزق او الانفصام، وإعزازا لهذا الدم الزاكي الغالي علينا جميعا، وليصبح جسر الإمامين موسى الكاظم وابي حنيفة رضي الله عنهما رمزا للوحدة الوطنية .
ختاما نقول لمن حمل او حَمّل أمانة الأمة : إليك من تأريخ خلفائنا الراشدين نموذجا هو الخليفة العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي لم يقتصر حرصه على الإنسان بل تعداه الى الحيوانات والجمادات دون ان يعفي نفسه بمبررات القضاء وا لقدر حين قال ( لو أن بغلة عثرت بأرض الفرات لخشيت أن أَسأل عنها يوم القيامة : لمَ لَم تسوٍّ لها الطريق يا عمر )! فصبر جميل يا أهل العراق وإنا لله وإنا إليه راجعون.