من أشعار الأسـرى والمسجونين   عدد القراء : 548   .


منذ بدأ الجهاد في سبيل الله , وهناك من يقع من المسلمين أسرى بيد الكفار , فإما انهم يقتلونهم شرَّ قِتلة , وإما انهم يذيقونهم أصناف العذاب والذل والإهانة , مع السجن الطويل في المعتقلات , فيتمنون الموت ولا يجدونه , ويتجرعون هم وأهاليهم مرارة الأسر والفراق , كما يحدث اليوم مع الكثير من المعتقلين في أراضي القتال والجهاد , كفلسطين وغيرها من البلدان الإسلامية المستباحة من قبل الكفار وهذا أيضاً ما صوره في شعره كُل من خُبيب بن عدي - رضي الله عنه -, والوزير الكاتب أبي بكر الأشبوني , - كما سيأتي لاحقاً
موسى سليمان السويداء

ولذا كان الإمام أحمد بن حنبل الشيباني - رضي الله عنه - , يرى أن يقاتل المجاهد حتى الموت ( الشهادة ) ولا يستسلم للعدو , فيقول : ( ما يعجبني أن يَسْتأسِرُوا . وقال : يُقاتل أحب إلي .. الأسر شديد ولابد من الموت . وقال : يٌقاتل ولو أعطوه الأمان قد لا يفون ).
ثم لا ننسى ألم ومعانات أهالي الأسرى- وخاصة الأمهات - , ومن ذلك ما رواه الواقدي في فتوح الشام عن قصة صابر بن أوس الذي أُسر في أحد المعارك , فكانت أمه مزروعة بنت عملوق الحُميرية - وهي من فصحاء زمانها - تندبه و تبكيه , وتقول:
       أيا ولدي قد زاد قلبي تلهبا
        * * * وقد أحرقت مني الخدود المدامعُ
        وقد أضرمت نار المصيبة شعلة
        * * * وقد حميت مني الحشا والأضالع
        وأسأل عنك الركب كي يخبرونني
         * * * بحالك كيما تستكن المدامعُ
         فلم يكن فيهم مخبر عنك صادقاً
          * * * ولا منهم من قال إنك راجعُ
         فيا ولدي مذ غبت كدرت عيشتي
          * * * فقلبي مصدوع وطرفي دامعُ
      وفكري مقسوم وعقلي مولهٌ
           * * * ودمعي مسفوح وداري بلاقعُ
       فإن تك حياً صمت لله حجةً
        * * * وإن تكن الأخرى فما العبد صانع
بل قد يضطر البعض من الأسرى إلى إذلال أنفسه , فيلجئ إلى مدح رؤساء وكبار الكفار من أجل استعطافهم كي يخلوا سبيله ويطلقوا سراحه , كما حصل لعمر بن حسن النحوي الصقلي - رحمه الله - , الذي وقع أسيراً عند نصارى صقلية , فانشد أبياتاً يمدح بها ملك صقلية رُجّار لعله يُفرج عنه , يقول منها:
      طلب السلوّ لو أن غير سُعاد
               * * * حلت سويداء قلبه وفـؤاده
       ورجا زيارة طيفهـا في صدها
               * * * وغرامه يأبى لذيـذ رقـاده
       والله لولا الملك رُجّارُ الذي
               * * * أهدى لحُبيّـه عظم وداده
        ما عاف كأس المجد يوم فراقها
             * * * ورأى مُحيَّا المجد في ميلاده
فعلق أبو الحسن القِفطي - رحمه الله - على هذه الأبيات , قائلاً : والله يغفر لهذا الشاعر في مدحه الملك الكافر , ولكنه معذور , إذ هو مأسور).
ومن أشعار الأسرى والمعتقلين من الصحابة , ما جاء في السيرة النبوية أن خُبيب بن عدي - رضي الله عنه - وقع في قبضة مشركي هذيل أسيراً , فلما اجتمعوا عليه وقربوه للقتل , طلب منهم أن يصلي ركعتين - وكان أول من سن الركعتين عند القتل - , ثم دعا عليهم , وقال : اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تبق منهم أحدا ثم قال
       لقد أجمع الأحزاب حولي وألبوا
           * * * قبائلهم واستجمعوا كل مجمعِ
       وكلهم مبدي العداوة جاهدٌ
           * * * علي لأني في وثاق بمضيعِ
       وقد قربوا أبناءهم ونساءهم
           * * * وقربت من جذع طويل مُمنـع
      إلى الله أشكو غربتي بعد كربتي
   * * * وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي
      فذا العرش صبرني على ما يراد بي
     * * * فقد بضعوا لحمي وقد ياس مطمعي
     وقد خيروني الكفر والموت دونهُ
        * * * فقد ذرفت عيناي من غير مجزعٍ
      وما بي حذار الموت إني لميت
            * * * وإن إلى ربي إيابي ومرجعي
      ولست أبالي حين أقتل مسلماً
      * * * على أي شق كان في الله مضجعي
       وذلك في ذات الإله وإن يشأ
          * * * يبارك على أوصال شلوٍ ممزعِ
       فلست بمبد للعدو تخشعاً
           * * * ولا جزعاً إني إلى الله مرجعي
فقال له أبو سفيان : أيسرك أن محمداً عندنا تُضرب عنقه وإنك في أهلك ؟ فقال : لا والله , ما يسرني أني في أهلي , وأن محمداً في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكةٌ تؤذيه.
ومن أشعار من وقع في الأسر أيضاً , قصيدة لأعشى همدان الذي كان ضمن من أغزاه الحجاج بن يوسف الثقفي بلاد الديلم , فقال يشكو حاله وشدة الكرب الذي أصابه في الأسر.
     أصبحت رهناً للعداة مكبّلاً
       * * * أمسي وأصبح في الأداهم أرسف
     ولقـد أراني قبـل ذلك ناعماً
               * * * جذلان آبى أن أضام وآنف
      واستنكرت ساقي والوثاق وساعدي
        * * * وأنا امرؤ بادي الأشاجع أعجف
      وأصابني قـوم وكنت أصيبهم
             * * * فالآن أصبر للزمان وأعرف
      وإذا تصبك من الحوادث نكبة
                 * * * فصبر لها فلعلّها تتكشّف
وأما أكثر من حفظ عنه الشعر في الأسر ، فهو أبو فراس الحمداني الذي أسرته الروم , فأنشد قصائد عدة سُميت بالروميات لكثرتها , ومن أجملها , وأشهرها قوله وقد سمع حمامة تنوح بقربه على شجرة عالية.
     أقول وقد ناحت بقربي حمامةٌ
           * * * أيا جارتي هل تشعرين بحالي
      معاذ الهوى ما ذقت طارقة الهوى
             * * * ولا خطرت منك الهموم ببالِ
      أتحمل محزون الفؤاد قوادمٌ
         * * * على غصن نائي المسافة عالي
      أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا
             * * * تعالي أقاسمك الهموم تعالي
      تعالي تَريْ روحاً لدي ضعيفةً
                 * * * تردَّدُ في جسم يُعذب بالي
      أيضحك مأسورٌ وتبكي طليقة
           * * * ويسكت محزون ويندب سالي
       لقد كنتُ أولى منك بالدمع مقلةً
          * * * ولكنَّ دمعي في الحوادث غالي
ومن رومياته أيضاً من يتيمة الدهر للثعالبي:
      أراك عصي الدَّمع شيمتك الصبرُ *
             * * أما للهوى نهيٌ عليك ولا أمرُ
       بلى أنا مشتاق وعندي لوعةٌ
               * * * ولكن مثلي لا يذاع له سرُ
       إذا الليل أضوى بي بسطت يد الرجا
           * * * وأذللت دمعاً من خلائقه الكبرُ
        تكاد تضيء النار بين جوانحي
           * * * إذا هي أذكتها الصبابة والفِكرُ
وللوزير الكاتب أبي بكر محمد بن سوار الأشبوني الأندلسي , - الأنف الذكر - قصيدة طويلة ومعبرة , قالها وهو أسير في مدينة قورية، يصف بها كيفية القبض عليه حينما هجم عليهم النصارى بالأندلس, منها قوله:
      ولما بدا وجه الصباح تطلعت
            * * * خيولٌ من الوادي محجلةٌ غرُ
     فقلت لهم : خيل النصارى فشمَّروا
          * * * إليها وكروا هاهنا يحسن الكرُّ
      وكانت حميّا النوم قد صرعتهم
             * * * ففُلُّوا ولوا مدبرين وما فرّوا
       وأفردت سهماً واحداً في كنانة
  * * * من الحرب لا يُخشى على مثله الكسرُ
       وكنت عهدت الحرب مكراً وخدعةً
        * * * ولكن من المقدور ما لامرئ مكرُ
       فطاعنتُهم حتى تحطّمت القنا
           * * * وضاربتهم حتى تكسرت البُتر
       وأضـرِّج أثوابي دماً وثيابهُم
           * * * كأنّ الذي بينـي وبينهـم عطـرُ
       وأحدق بي والموت يكشر نابه
             * * * ومنظره جهـمٌ وناظره شزرُ
        فأعطيتها وهي الدنية صاغراً
    * * * وقد كان لي في الموت لو يدني عذرُ
        فطاروا وصاروا بي إلى مستقرهم
           * * * يصاحبنـي ذلٌ ويصحبهم فخرُ