اقول لكم   عدد القراء : 521   .
علي الكاش
الإرهاب الإعلامي... والوثنية الجديدة في العراق المحتل
الكلمة سلاح فتاك قد يكون مفعولها أقوى من الأسلحة التقليدية، سيما إذا أحسن استخدامها وسددت إلى الهدف بشكل دقيق. الكلمة أيضا تحتاج إلى ضبط نفس كالبندقية، لكن الخط الوهمي بين الفرضة والشعيرة في البندقية يقابلها خط واقعي بين الثقافة المفترضة والشعور الوطني. وكلاهما يحتاج إلى يد ثابتة قوية غير مرتعشة تضغط على الزناد في الوقت المناسب، وكلاهما يحتاج إلى رؤية ثاقبة وترقب هادئ وضبط أعصاب، وكلاهما يحتاج إلى تصويب مباشر على الهدف. ربما إصابة البندقية تخطئ لكن نسبة الخطأ في الكلمة تكون أقل، وربما تترك البندقية أثرا على المصاب سرعان ما يشفى ويختفي مع مرور الأيام، لكن جرح الكلمة من الصعب أن يشفى, وما قيل في أبي رغال والعلقمي وأبي لؤلؤة المجوسي والشمر بن الجوشن وغيرهم من خونة الأمة والمتآمرين عليها أكبر دليل على صحة كلامنا. لذلك أوصى الرسول (صلى الله عليه وسلم) بأن يشد المسلمون الكلمة على كفار قريش فقال لشاعره حسان (إهج قريشا فإنه أشد عليها من رشق النبل).
منذ الإحتلال الأمريكي الصهيوني الإيراني الغاشم للعراق، تشعبت مواقف الإعلاميين والصحفيين إلى ثلاثة طرق مفتوحة أمام من يسلكها باختياره دون ممارسة أي ضغط عليه، أولها: طريق الوفاء وهو أن يبقي السالك وفيا لمبادئه بحكم تربيته وأخلاقه وثقافته ووطنيته حتى لو قادته الى التهلكة وهو الاحتمال الأكبر! والثاني: طريق الغدر، بالإنجراف مع التيار الإحتلالي وبيع كل القيم الدينية والدنيوية وإغتيال الضمير والرضا بأن يكون السالك أحد ربائط بساطيل المحتل في محاولة كسب أفضل المزايا. والثالث: طريق المناورة وهو اللعب على الحبلين لمعرفة المرشح الأقوى ومن ثم التهالك لخدمته, وهي تقية سياسية و انتهازية عارية. فأي طريق تختار؟
الطريق الأول: هو أشد وعورة من بقية الطرق لأنك بدلا من أن تقبض ستدفع! والدفع قد يكون المال والممتلكات والغربة والخطف وقد يصل إلى التضحية بالنفس عن طرق الإغتيال، أي هو طريق تضحية وعطاء وإيثار وفداء بلا عوائد دنيوية. ولكن أفضل ما فيه هو مراعاته للتعاليم السماوية والقيم الأرضية، ويؤمن راحة الضمير وهذا مما يهون مشاقه.
أعداء الوطن والشعب يسمون هذا الطريق مكب النفايات! رغم أنهم كما يروجون لأنفسهم والآخرين من دعاة الحرية والديمقراطية(هي دي مقراطية؟ أم دي دم،مكر أذية) وحقوق الإنسان. قبل الشرورع في المسير ستجد لافتة كبيرة كتب عليها بماء الذهب قول للقمان الحكيم (إن الحكمة أجلست المساكين مجالس الملوك).
الطريق الثاني: مضمون النجاح والأمان والثراء ويؤمن الحصول على المناصب الرفيعة للذات ولخارطة المقربين! ولايحتاج إلى جهد كبير، فقط لسان مزيت تتزحلق عليه كلمات المديح لقوات الاحتلال الأمريكي الصهيوني الإيراني، والتذلل إلى العملاء سواء في البرلمان أو حكومة الاحتلال. وهذا الطريق أخضر وسهل، ورغم ذلك يمكن لسالكه أن يطالب بتأمين الحراسة له، كي يبقى لسانه يفرز سمومه بحق الوطن والشعب، وسنسميه(مكب الكنيف) لأن الكنيف أشد مضرة وكرها من النفايات. قبل الشروع في المسير ستجد لافته كبيرة كتب عليها بماء النار(التيزاب) قول مأثور للهمشري (إياك ومصادقة الكذاب ، فإنه كالسراب يُقرب البعيد ويُبعد القريب).
الطريق الثالث: طريق مبهم كثير المنعطفات والمنحدرات يكتنفه الغموض من كل الجهات ولا يمكن تشخيص ملامحه الرئيسية أو التنبؤ بنهايته. يكون سالكه أشبه ببهلوان السيرك يمارس رياضة المشي على الحبلين! لكنه مهما تدرب عليها فإنه معرض لأن ينزلق ويتحطم. إذن طريق ليس بالسهل لأنه ملغوم وفيه الكثير من مصائد المغفلين فيمكن أن تعثر فيه على بوصلة من ذهب مرصعة بالماس لكنها قد تعطيك اتجاهات خاطئة تنحرف بك إلى طريق آخر يوصلك إلى جهنم. لأن فيه خداعاً للناس وضحكاً على الذقون وقبلها للذات. قبل الشرورع في المسير ستجد لافته كبيرة كتب عليها بماء سحري باهت قول لعبد الحميد الكاتب (لابد من إجتناب الشر حتى ولو كان مزيناً بالعلم ، لأن الحيّة لا تكون أقلَّ سُماً عندما تكون لابسة جوهرة ثمينة على رأسها).
نحن نقول للصحفي والإعلامي باعتبار الطرق مفتوحه لهم ولغيرهم: في الطريق الأول من السهل أن تكون صحفيا لكن من الصعب أن تكون ثائرا. و في الطريق الثاني من السهل أن تكون عميلا لكن من الصعب أن تكون وطنيا. وفي الطريق الثالث: من السهل أن تكون بشرا لكن من الصعب أن تكون رجلا.
في الصحافة والإعلام تكون الأخبار مثل الدمى الفارغة ورجالها هم من يحشوها بأفكارهم وتحليلاتهم العميقة وتشبعهم بدقائق الواقع السياسي وحشدهم للمعلومات وصهرها في إطار متناغم يتوافق مع الظروف الحاضرة كي تزداد جاذبيتها وسحرها, وهذه مسؤولية كبيرة ومهمة شائقة لذلك سمي الإعلام (بمهنة المتاعب). ولدوره الرقابي لأداء الحكومات وتشخيص مواطن القوة والضعف جعله يستحوذ بشرف كبير على لقب (السلطة الرابعة).
وفي البلدان الخاضة للاحتلال الأجنبي يستحوذ الإعلام على أهمية قصوى سواء كان الوطني أو الإحتلالي بالرغم من مجراهما المتعاكس ومصبهما المتناقض. فكل منهما يحاول أن يستقطب أكبر عدد ممكن من الإعلاميين والصحفيين إلى جانبه وبالتالي إستقطاب الجمهور لصفه, وهذه المنافسة غير خاضعة لضوابط النزاهة ومعايير الشرف والأمانة وصدق الكلمة ونقل الحقيقة بالنسبة للإعلام الإحتلالي فإمكاناته المالية والتقنية وإسرافه وحوافزه التشجيعية تطفو على هذه المعايير الجوهرية التي تنحسر عنه متراجعة يوماً بعد آخر لتصب في الإعلام الوطني المناهض للإحتلال.
الإعلام الوطني قد يكون ضعيفا في وسائله التقنية لكنه قوي بوسائله الفكرية, وقد يكون فقيرا في إمكاناته المادية لكنه ثري بقناعاته الوطنية, وقد يكون متقشفا في حوافزه الوظيفية لكنه سخي في جاذبيته الجماهيرية. أهم الفروق بين الإعلام الوطني والإحتلالي أن الإعلام الوطني كالأمل يبدأ صغيرا وضئيلا ثم يكبر وينضج يوما بعد آخر حتي يتحقق. أما الإعلام الإحتلالي فهو كالمصيبة تبدأ كبيرة وضخمة ويوما بعد آخر تصغر وتتضاءل إلى أن تموت.