الخشوع في الصلاة   عدد القراء : 704   .
أمين عبدالله
قال - تعالى -: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ)فلما ذَكَر بقيةَ صفاتهم، ذَكَر جزاءهم، فقال: (أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)
قال الحَسَن البصري - رَحِمَه اللهُ - في قوله - تعالى -: (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ)، قال: كان خشوعُهم في قلوبهم، فغَضُّوا بذلك أبصارَهم، وخفضوا لذلك الجناح.
قال ابن القيم: علَّق الله فلاحَ المُصَلِّين بالخشوع في صلاتهم، فدلَّ على أنَّ مَن لم يَخْشَعْ فليس من أهل الفلاح، ولو اعتدَّ له بها ثوابًا، لكان من المفلحين.
والخشوع يأتي بِمَعْنَى لِينِ القلب، ورقَّتِه، وسُكونِه، فإذا خَشَعَ القَلبُ تَبِعَه خشوعُ الجوارح؛ لأنَّها تابعةٌ له؛ عنِ النُّعمان بن بشير - رضِيَ الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (ألا وإنَّ في الجسد مضغةً، إذا صَلَحَتْ صَلَح الجسدُ كلُّه، وإذا فسَدَتْ فسَدَ الجسدُ كله، ألا وهي القلب)ولذلك كان النبي - صلَّى الله عليه وسلم -  في صلاته يقول: ((خشع لك سمعي، وبصري، ومُخي، وعَظمي، وعصبي).
عن عوف بن مالك - رضي الله عنه - قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذاتَ يوم، فنظر في السماء، ثم قال: (هذا أوانُ العلم أن يُرْفَع)، فقال له رجل من الأنصار، يقال له: زياد بن لبيد: أيُرفع العلمُ يا رسول الله، وفينا كتاب الله وقد علَّمناه أبناءنا ونساءنا؟!، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إن كنتُ لأظنُّك مِن أفقهِ أهلِ المدينة)، ثم ذَكر ضلالة أهل الكتابين، وعندهما ما عندهما من كتاب الله - عز وجل - فلقي جبيرُ بن نفيرٍ شدَّادَ بْنَ أَوْسٍ بِالمُصَلَّى، فَحَدَّثَهُ هذا الحديثَ عن عوف بن مالك، قال: صدق عوف، ثم قال: فهل تدري ما رفعُ العلم؟، قال: قلتُ: لا أدري، قال: ذَهاب أوعيتُه، قال: وهل تدري أيُّ العلم أوَّلُ أن يُرفع؟ قال : فقلتُ: لا أدري، قال: الخشوع، حتى لا تكاد ترى خاشعًا.
فإذا دخل المصلِّي المسجدَ بدأت الوساوسُ، والأفكارُ، والانشغالُ بأمور الدنيا في ذهنه، فما يشعر إلا وقد انتهى الإمامُ مِن صلاته، وحينئذٍ يتحسَّر على صلاتِه التي لم يَخشع فيها، ولم يَذُق حلاوتَها، وإنما كانت مجردَ حركاتٍ وتمتمات؛ كالجسد بلا روح.
قال ابن القيم - رحمه الله -: صلاةٌ بلا خشوعٍ ولا حضورٍ؛ كبدنٍ ميِّتٍ لا رُوحَ فيهِ، أفلا يَسْتَحْيِي العَبْدُ أنْ يُهديَ إلى مخلوق مثلِه عبدًا ميِّتًا، أو جاريةً ميتة؟ فما ظنُّ هذا العبد أن تَقَعَ تلك الهَديَّةُ مِمَّن قَصَدَهُ بها مِن مَلِكٍ، أو أميرٍ، أو غيرِه؟! فهكذا سواء الصلاة الخالية عن الخشوع والحضور، وجمع الهِمَّة على الله - تعالى - فيها بمنزلة هذا العبد - أو الأَمَة - الميت، الذي يريد إهداءه إلى بعضِ الملوك؛ ولهذا لا يَقبَلها الله - تعالى - منه، وإن أسقطَتِ الفرضَ في أحكام الدنيا، ولا يثيبه عليها؛ فإنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقَلَ منها.
قال بعضُهم: إنَّ الرجُلَيْنِ لَيكونانِ في الصَّلاةِ، وإنَّ ما بَيْنَهُما كما بين السماء والأرض.
وعن عمَّار بن ياسر - رَضِيَ الله عنه - أنَّ النبي - صَلَّى الله عليه وسلم - قال: (وإن الرجل لَينصرف وما كُتِبَ له إلا عُشْرُ صلاتِه، تُسعُها، ثُمنُها، سُبعُها، سُدسُها، خُمسُها، رُبعُها، ثُلثُها، نِصفُها).
والخشوعُ في الصلاة إنما يحصُل لِمَن فَرَّغَ قلبَه لها، واشتغل بها عمَّا عداها، وآثرَها على غيرها، وحينئذٍ تكون له قرةَ عين؛ عن أنس - رضي الله عنه - أنَّ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (حُبِّبَ إليَّ مِن الدُّنيا النساءُ والطِّيب، وجُعلتْ قُرَّة عيني في الصلاة) بل إنه - عليه الصلاة والسلام - كان إذا حَزَبَهُ أمْرٌ صَلَّى، وكانَ يقولُ: (قُمْ يا بلال، فَأَرِحْنا بِالصلاة).