البصائر وملف احتلال حقل(الفكة) .. شهادة للتأريخ والأجيال القادمة   عدد القراء : 678   . اعداد/ قسم التحقيقات
في ظل الوضع الشاذ الذي يعيشهُ العراق اليوم بسبب الاحتلال الأمريكي له , ونتيجة لتكالب الأمم على هذا البلد الآمن المطمئن , وذلك بعد أن شعرت قوى الطغيان العالمي بأنهُ سيكون كشرارة تلهب نار غضب أمة طال إستعبادها , فقد وجدت هذهِ القوى بأنه بات من الضروري عقد تحالف شر موحدٍ فيما بينهم , لتوجيهِ ضربة استباقية لما يرفرف أمامهم في الأفق من أمرٍ سبقَ وأن نبأتهم بهِ كتبهم بأن نهاية طغيانهم ستكون على أيدي هؤلاء الأشداء
عندها شد هؤلاء العزم واتصلوا بحلفائهم هنا وهناك , ومن هو قديم ومن هو جديد , لتتلاقى مصالحهم نحو هدفٍ واحد وهو إسقاط دولة واحتلالها , ومن ثم احتواؤها وابتلاعها عبر بعض الإمعات من العملاء والخونة.
فالعراق اليوم عراق دموي مخضب تختلط فيه الأشلاء والدماء , تفجيرات يذهب ضحيتها العشرات ولا تترك مدينة سواء في الشمال أو الجنوب فضلاً عن وسط العراق إلا وقد نالها نصيب من هذه الأعمال الدموية التي لا ترحم، اغتيالات تخلف قتلى من جميع الطوائف والأعراق , وهو أمرٌ منسجم مع طرح واشنطن لتفعيل نظرية (الفوضى الخلاقة).
وفي ظل الهرج والمرج , تطل علينا رأس الأفعى الإيرانية ألتي تريد أن تضع قدماً لها في هذه الأرض المستباحة , لتساعدها في ذلك عوامل كثيرة على الساحة الإقليمية والدولية والمحلية , وللبحث في الدور الإيراني الذي تلعبه في العراق , فلا بد من تتبع حقيقة الأهداف الإيرانية في العراق واستراتيجيتها لتحقيق تلك الأهداف، وأخيراً رصد المتغيرات المؤثرة على تلك الاستراتيجية.
 للسياسة الإيرانية عدة معطيات هامة
1-يمثل العراق بوابة مهمة لتحقيق الحلم الفارسي بإعادة إقامة إمبراطورية فارس في العالم ؛ وهو يمثل حلم إيران ,  وفي وثيقة حديثة وسارية المفعول في عهد خاتمي نفسه أوضحت الغاية العظمى لهذه الدولة ؛ فقد أرسل مجلس شورى الثورة الثقافية الإيرانية رسالة إلى المحافظين في الولايات الإيرانية، وكتب عليها (سري للغاية)، وكان مما جاء فيها:(الآن بفضل الله، وتضحية أمة الإمام الباسلة قامت دولة في إيران بعد عقود عديدة، ولذلك فنحن وبناء على إرشادات الزعماء المبجلين , نحمل واجباً خطيراً وثقيلاً وهو تصدير الثورة؛ وعلينا أن نعترف أن حكومتنا فضلاً عن مهمتها في حفظ استقلال البلاد وحقوق الشعب فهي حكومة مذهبية، ويجب أن نجعل تصدير الثورة على رأس الأولويات , لكن نظراً للوضع العالمي الحالي والقوانين الدولية ( كما اصطُلح على تسميتها ) لا يمكن تصدير الثورة، بل ربما اقترن ذلك بأخطار جسيمة مدمرة , ولهذا فإننا من خلال ثلاث جلسات وبآراء شبه إجماعية من المشاركين وأعضاء اللجان وضعنا خطة خمسينية تشمل خمس مراحل، ومدة كل مرحلة عشر سنوات لنقوم بتصدير الثورة إلى جميع الدول، ؛ لأن الخطر الذي يواجهنا من الحكام العرب أكبر بكثير من الخطر الذي يواجهنا من الشرق والغرب؛ لأن هؤلاء يناهضون حركتنا، وهم الأعداء الأصليون لنا، وإن سيطرتنا على هذه الدول تعني السيطرة على نصف العالم، ولإجراء هذه الخطة الخمسينية يجب علينا بادئ ذي بدء أن نحسن علاقاتنا مع دول الجوار، ويجب أن يكون هناك احترام متبادل وعلاقة وثيقة وصداقة بيننا وبينهم حتى إننا سوف نحسِّن علاقتنا مع العراق بعد الحرب؛ وذلك أن إسقاط ألف صديق أهون من إسقاط عدو واحد , إن الهدف هو فقط تصدير الثورة؛ وعندئذ نستطيع رفع لواء ثورتنا وأن نُظهر قيامنا في جميع الدول، وسنتقدم إلى عالم الكفر بقوة أكبر).
ويعترف هنا الباحث اللبناني (هاني فحص) بأن التوجهات الإيرانية ذات أفق يتعدى جغرافيتها الوطنية , وهذا الهدف كامن في جميع تصرفات القيادات الإيرانية، وهم لا يعلنون عنه، ويخططون له ويرسمون الاستراتيجيات لتحقيقه كما تدل الوثيقة السابقة، وتدل عليه أيضاً ممارساتهم عندما استدعت الضرورة إظهاره كما حدث يوم الجمعة الموافق 21 من شهر آيار الماضي من تحديد موعد للمظاهرات في يوم واحد واختيار مظاهرات الأكفان، كما حصل بالتوازي من مظاهرة حزب الله في لبنان ومظاهرة المعارضة في البحرين فإنهما رسالة مكشوفة بأن كلمة السر جاءت من طهران وتحديداً من المرشد علي خامنئي.
وثمة معلومات عن أن فحوى الخطب التي ألقيت والصور التي رفعت في المظاهرات , كانت من ضمن خطة معدة سلفاً بكل تفاصيلها، وإلا فكيف يمكن فهم التوافق المفاجئ لإيران ولبنان والبحرين وباكستان على تحديد ذلك اليوم؟
2-مخزن نفطي هام يضاف للثروة النفطية الإيرانية لتصبح الحصيلة ثروة هائلة في أيدي الإيرانيين؛ حيث يبلغ احتياطي نفط العراق ما يقارب ( 112.5 ) مليار برميل مكتشف حتى الآن، ويتوقع أن يوجد خزين آخر يقدر بـ(250) مليار برميل غير مكتشف , ويقول متخصصون في الشؤون العراقية في مؤسسة (بتروليوم فاينانس) : أن النفط العراقي كنز القرن الميلادي الحادي والعشرين , وهو لا يعني بطبيعة الحال إنتاج العراق حالياً من النفط الخام، وقد أصبح دون ( 4% ) من مبيعات السوق العالمية، إنّما يعني الاحتياطي النفطي العراقي الذي يحتل المرتبة الثانية بعد السعودية، ويمثل زهاء ( 12% ) من الاحتياطي العالمي المعروف، وسترتفع هذه النسبة وإن لم يتم اكتشاف المزيد من الحقول النفطية العراقية؛ ذلك أن الاحتياطي الموجود حالياً في مناطق أخرى غير منطقة الخليج آخذ في النضوب تدريجياً، ومن المتوقع أن ينتهي كلياً خلال فترة لا تتجاوز 15 عاماً، ويسري هذا بالترتيب على النفط الأمريكي فالأوروبي، ولا يتوقع أن يبقى الاحتياطي النفطي في منطقة بحر قزوين فترة زمنية أطول , ويقول الباحث نبيل شبيب: إن البئر العراقية كانت وما تزال تعطي من النفط الخام يومياً أكثر من ( 13 ) ألف برميل في غالب الحالات، أي ما يعادل ما تعطيه ( 900 ) بئر أمريكية، وأضعاف ما تعطيه الآبار السعودية والكويتية والإيرانية بنسب تتراوح بين 50 و600% , وتنتج إيران حالياً ما يزيد قليلاً عن 4 ملايين برميل يومياً في حين بدأ إنتاجها يتناقص سنوياً بمعدل 250 ألفاً إلى 300 ألف برميل.
3-عمق استراتيجي طبيعي لإيران، وخط دفاع أول ضد اجتياحها أو احتوائها ومحاولة تغيير نظامها , وعلى مدى التاريخ كان العراق الباب الرئيسي للحملات العسكرية التي اجتاحت إيران (بلاد فارس)، وزاد من خطورة هذه الجبهة حديثاً أن الثروة النفطية الإيرانية بمجملها تتركز على الحدود العراقية الغربية والجنوبية , وجاءت الحرب العراقية ضد إيران غداة انتصار ما أطلق عليه (ثورة الخميني) لتؤكد الأهمية الإستراتيجية لهذا الهدف.
4-ورقة سياسية في سوق المساومات على الساحة الدولية , فإيران لها مشروعها النووي الطموح، ولها مشروعها الإمبراطوري، ولن تتخلى عنهما بسهولة؛ ولذلك تسعى إيران بكل قوة لامتلاك أوراق على الساحة الدولية تقايض بها استمرارها في هذين المشروعين , ومنذ الاحتلال الأمريكي للعراق في نيسان 2003م لعبت إيران دوراً انتهازياً في المسألة العراقية، وسعت بانتظام إلى اعتبار دعمها للمحتلين الأمريكيين، ودورها هناك ورقة للمساومة مع الأمريكيين وخاصة السعي لامتلاك السلاح النووي؛ فالمسألة النووية الإيرانية لم تعد تحتمل كثيراً من التأجيل , أو كما قالت واشنطن تايمز الناطقة باسم المحافظين الأمريكيين المتطرفين (الوضع لم يعد يطاق) , وهناك ورقة التعمد الإيراني الواضح في تصعيد ما عرف باسم حرب سفن الصيد في الخليج؛ ففي أقل من أسبوع تناقلت التقارير الصحفية تسريبات إيرانية منظمة عن أخبار اعتراض سفن حربية إماراتية وقطرية وعمانية لسفن صيد إيرانية في مياه الخليج أدت أحياناً إلى سقوط قتلى واعتقال الطواقم , ويبدو أن ما تناقلته وسائل الإعلام في هذا الإطار , أن بعض سفن الصيد الإيرانية التي ضبطت لم تكن في الواقع مجرد سفن صيد، بل كانت مجهزة بأجهزة تجسس وتنصت ومعدات إلكترونية، وأن الملاحين لم يكونوا صيادين، بل ضباط مخابرات، وهو ما عزز المخاوف من استخدام الحرس الثوري لسفن الصيد للتجسس على المواقع والتجهيزات العسكرية الأمريكية في المنطقة وهو ما يُسوّغ لجوء هذه السفن إلى دخول المياه الإقليمية للدول الخليجية , ومن أوراقها أيضاً إرسالها للانتحاريين؛ فقد ذكرت مصادر إيرانية أن الاجتماع الأول لمنظمة تكريم (الاستشهاديين) في إيران أنهى أعماله بقرار يقضي بإيفاد المئات من الانتحاريين إلى العراق وبعض الدول العربية لتنفيذ عمليات انتحارية ضد المواطنين الغربيين إضافة إلى أصدقاء أميركا حسب قول أحد مسؤولي المنظمة , وقال نائب إصلاحي سابق: أعتقد أن مثل هذه الأحداث توضح أن الضغوط الدولية ومدى حساسية إيران لها قد ارتفع كلاهما. الإستراتيجية الإيرانية في العراق لتحقيق هذه الأهداف تحركت القيادات الإيرانية على محاور عدة ومنها:
محاور التحرك الإيراني
1 ـ تسلل المخابرات الإيرانية إلى العراق: كانت الأداة الرئيسية لإيران في تنفيذ إستراتيجيتها للمخابرات الإيرانية ونتيجة التنسيق الأميركي ـ الإيراني دخلت المخابرات الإيرانية إلى العراق , ونتيجة أبوتها للتنظيمات السياسية المذهبية تسلَّلت إلى مجلس الحكم الانتقالي , وتشير تقارير صحفية إلى أن جهاز مخابرات فيلق القدس الإيراني ومخابرات الحرس الثوري الإيراني يقومان بالدور الأخطر على صعيد أجهزة الاستخبارات داخل العراق، ولعل الكشف عن الدور المزدوج للجلبي وعلاقته الطويلة مع المخابرات الإيرانية يوضح إلى أي حد وصل الدور الذي مارسته المخابرات الإيرانية على الساحة العراقية , وتشير معلومات صحفية إلى افتتاح ( 18 ) مكتباً للاستخبارات الإيرانية تحت مسميات مختلفة أبرزها الجمعيات الخيرية لمساعدة الفقراء، وتوزيع المال والأدوية والمواد الغذائية، وترتيب الانتقال إلى العتبات المقدسة وضمن ميزانية تتجاوز مئة مليون دولار.
وضمن المخطط الإيراني أيضاً هو شراء ولاء رجال دين , رصد فيه مبلغ ( 5 ) ملايين دولار سنوياً للترويج والدفاع عن إيران، وتجميل صورة مواقفها في الشارع العراقي وأحياناً عبر المنابر , وفي المعلومات الاستخباراتية أن إيران استأجرت واشترت (2700 ) وحدة سكنية من البيوت والشقق والغرف في مختلف أنحاء العراق، لاسيما في النجف، وكربلاء ليسكن فيها رجال الاستخبارات الإيرانية ورجال فيلق القدس الاستخباراتي.
2-تدفق الأفراد والأموال على العراق : ويشير حجم المساعدات النقدية الإيرانية المدفوعة إلى زعيم أحدى المليشيات وحده عدا التيارات الأخرى خلال الأشهر الأخيرة أنها تجاوز سقف 80 مليون دولار، إلى جانب تدريب رجاله , ونتيجة للضوء الأميركي ـ البريطاني الأخضر اكتظَّت الأسواق وغرف التجارة العراقية بالتجار الإيرانيين، ومنه تسلَّلت إلى أجهزة المافيات (سرقة ونهب) بدون النظر إلى عرقها ؛ إذ تشاركت الأحزاب الكردية مع الأحزاب السياسية الأخرى في نهب كل ما طالته أيديهم وباعوه إلى التجار الإيرانيين، وقد وصف أحد العراقيين الدور الإيراني في العراق قائلاً : خرجت إيران بعد احتلال العراق بأكبر حصة من وليمة ذبح الدولة العراقية.
4-السيطرة الإعلامية من خلال الصحف التي تمولها وقنوات البث الفضائي والأرضي؛ وقد قامت شركة التلفزيون الرسمية في إيران بافتتاح قناة فضائية على غرار قناة الجزيرة القطرية باسم (العالم) تبث باللغة العربية من محطات تقوية على طول الحدود العراقية لكسب تأييد العراقيين، وتتحدث تقارير صحفية عن وجود ( 300 ) إعلامي إيراني بشكل دائم في العراق.
التعامل مع الشيطان الأكبر يندهش كثيرون من حقيقة أن هناك تعاوناً بين إيران والولايات المتحدة؛ وحقيقة العلاقة بين الطرفين هي من الحقائق المغيبة والتي هي جزء من ألاعيب السياسة ودهاليزها، ولا يمكن فهم العلاقات الإيرانية الأمريكية في الخمسة والعشرين سنة الأخيرة إلا بقراءة كتاب (رهينة) الذي ألفه (روبرت كارمن درايفوس) وهو باحث فرنسي متخصص في الشؤون الاستخبارية شغل في أواخر السبعينيات ومطلع الثمانينيات مدير قسم الشرق الأوسط في مجلة (أنتلغنس ريفيو)، وهذا الكتاب تم تأليفه وطبعه في عام 1980م، ونسخه المتداولة قليلة جداً، ولا ندري لماذا لم يطبع مرة أخرى بعد ترجمته في أوائل الثمانينيات؟ وبعد استعراض الأدلة الكثيرة يخلص الكتاب إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق كارتر قد قام بتعمد هادئ وتدبير مسبق خبيث على حد وصف المؤلف لمساعدة الحركة التي نظمت للإطاحة بشاه إيران، واشتركت إدارة كارتر في كل خطوة ابتداءً من الاستعدادات الدعائية إلى تجهيز الأسلحة والذخيرة، ومن الصفقات التي تمت خلف (الكواليس) مع الخونة في جيش الشاه إلى الإنذار النهائي الذي أعطي للزعيم المهزوم في كانون الثاني 1979م لمغادرة إيران.
وبخصوص العراق , فقد علمت إيران أنها لا تستطيع أن تغزو العراق وأن تفوز به، فيتعين أن تقوم بهذا قوة أخرى , وعدم قيام الولايات المتحدة بغزو العراق واحتلاله في عام 1991م سبب خيبة أمل هائلة لإيران , والحقيقة أن السبب الأولي لعدم قيام الولايات المتحدة باحتلال العراق آنذاك كان معرفتها بأن تدمير الجيش العراقي من شأنه أن يجعل من إيران القوة المهيمنة بين القوى المحلية في الخليج العربي , وكان من شأن احتلال العراق أن يدمر توازن القوة العراقي ـ الإيراني الذي كان الأساس الوحيد لما اعتبر استقراراً في المنطقة , أما تدمير النظام العراقي فلم يكن من شأنه أن يجعل إيران آمنة فحسب، إنما كان من شأنه أيضاً أن يفتح آفاقاً لتوسعها.
غزو العراق
وفي غزو العراق الأخير فقد سبقت الحرب جلسات ولقاءات سرية عقدت في عدة عواصم أوروبية بين ضباط إيرانيين ونظرائهم الأمريكيين مع الضغط على حلفائها من العراقيين للتنسيق مع الولايات المتحدة , وتشير مصادر صحفية أن هناك مجالاً مفتوحاً للحوارات والجلسات السرية بين الولايات المتحدة وإيران بخصوص العراق والتي تُعقد في الغرف الخلفية والتي يديرها رفسنجاني من إيران، والدكتور ولاياتي من الإمارات العربية المتحدة والسفارة الإيرانية في الكويت.
ووصل الغزل الأمريكي الإيراني في العراق إلى حد ما صرح به نائب المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية (آدم إرلي) الذي نفى فيها تورط إيران فيما يجري في العراق, فأمريكا وإيران يلتقيان على جامع مشترك وهو الخلاص من أي مقاومة مسلحة على الساحة العراقية، ويبقى أن طهران تريد , قناعة أميركية بدور إيراني سياسي وأمني في العراق , ولا بأس من إلزام إيراني بجنوب العراق؛ حيث العناصر المؤثرة محلياً والاستخبارات الإيرانية فعالة هناك.
ولكن فجأة حدث توتر في العلاقات بين الحليفين الإيراني والأمريكي في العراق، وأعقبه اغتيال الدبلوماسي الإيراني في العراق؛ فما الذي حدث وأدى إلى هذا الخلاف؟
للإجابة على هذا السؤال لا بد فيه من تحليل الدور الذي قام به (أحمد الجلبي) في العلاقات الإيرانية الأمريكية، والذي كشفت عنه مؤخراً عديد من الصحف الأمريكية والغربية , ولكن أبرز التحليلات التي ظهرت في تفسير هذا الدور ما كتبه (جورج فريدمان) مدير مؤسسة (ستراتفور) الخاصة للاستخبارات العالمية يوم 19 شباط الماضي في نشرة مؤسسته الشهرية بعنوان (أحمد الجلبي وصلاته الإيرانية)، وشكك فريدمان في بداية مقالته بكثير من الأخبار الصحافية التي تشير إلى أن الولايات المتحدة تعرضت للاستغلال من جانب إيران مستخدمة الجلبي أداة في ذلك لدفعها إلى غزو العراق، وكان المعنى الضمني لهذا أنه كان من شأن الولايات المتحدة أن تختار مساراً آخر لولا حملة المعلومات المغلوطة من الجلبي , وبيّن الكاتب سذاجة هذا الطرح؛ أولاً: لأن الولايات المتحدة لديها أسبابها الخاصة لغزو العراق، وثانياً: لأن المصالح الأميركية والإيرانية لم تكن شديدة التباعد في هذه الحالة , ويقول فريدمان (إن إستراتيجية إيران مع الولايات المتحدة كانت تعتمد إنه إذا ما تعرضت الولايات المتحدة لمتاعب في العراق فإنها ستصبح معتمدة إلى أقصى درجة على الإيرانيين وعملائهم ، وإذا ما هبّ الجنوب العراقي فسيصبح مركز الولايات المتحدة حرجاً) , وكانت مهمة الجلبي أن يعطي للأميركيين مُسوّغاً للغزو، وهو ما فعله بحكاياته عن أسلحة الدمار الشامل، إنما كانت له مهمة أخرى وهي حماية جانبين دقيقين من المعلومات من الأميركيين: الأول: كان عليه أن يحمي المدى الذي وصل إليه الإيرانيون في تنظيم الجنوب في العراق، والثاني: كان عليه أن يحمي أية معلومات عن خطط صدام حسين لشن حملة حرب عصابات بعد سقوط بغداد، وكان هذان أمرين دقيقين، وإذا أُخذا بجملتهما فسيكون من شأنهما أن يخلقا حالة الاعتماد (الأميركية) التي تمس حاجة الإيرانيين إليها. ويواصل الكاتب حديثه فيقول (أما بالنسبة للولايات المتحدة فإن لها سياسة معروفة تستخدم فيها خطوط الصدع بين أعداء محتملين لإحداث انقسام بينهم، فتتحالف مع الأضعف ضد الأقوى , وثمة شيء واحد كان لا بد أن يعرفه الجلبي ولم يخبر الأميركيين به بالتأكيد: أن صدام حسين سيشن حرب عصابات , وبشأن هذه النقطة لا يوجد أي شك في أن (البنتاغون) قد فوجيء).
فلم يشارك الجلبي بمعلوماته المخابراتية التي كان الإيرانيون يملكونها بالتأكيد؛ وذلك لأن الإيرانيين أرادوا أن يغرق الأميركيون في حرب عصابات؛ فمن شأن هذا أن يزيد الاعتماد الأميركي على إيران، ويسرِّع رحيل الأميركيين , وكانت المخابرات الإيرانية قد توغلت بعمق في العراق , وكانت الاستعدادات لحرب العصابات واسعة للغاية , وكانت إيران تعرف وكذلك الجلبي , مع ذلك كانت الولايات المتحدة ستغزو العراق، إنما كان يمكنها أن تستعد على نحو أفضل عسكرياً وسياسياً , ولم يبلغ الجلبي البنتاغون بما كان يعرفه، وقد أدى هذا إلى جعل الحرب مختلفة بدرجة هائلة.
الجلبي واللعبة الإيرانية الأمريكية
ولكن الشيء الأخطر الذي يذكره الكاتب في مقالته الهامة هي (أن هذه اللعبة لم تَرُقْ لوكالة الاستخبارات المركزية التي كانت تفهم أن الجلبي لم يكن حقاً مصدراً بالمعنى التقليدي للكلمة إنما كان مخلباً جيوسياسياً، إلا أنها لم تتصل بوزارة الدفاع بهذا الشأن حتى كانت هذه الوزارة تواجه المتاعب في العراق) وإلى هنا ينتهي مقال الكاتب الأمريكي.
ومن هنا أدركت الولايات المتحدة مدى المستنقع الذي جرتها إليه إيران بواسطة الجلبي في العراق لتدفعها إلى مزيد من الاعتماد على إيران، ولعل إقالة (تينيت) في أعقاب هرب الجلبي إلى النجف ومساعده إلى إيران ومقتل مسؤول الاستخبارات الإيرانية في العراق يصب في هذا الاتجاه.
اللعبة الإيرانية في أراضي الرافدين(القيادة الإيرانية تقوم بدور مزدوج في العراق؛ فهي ليست راغبة في أن تنجح أمريكا بسهولة في هذا البلد، لكنها في الوقت نفسه ليست راغبة في أن يخفق الأمريكيون كلياً هناك؛ لأن هذا الإخفاق سيشكل حينذاك تهديداً للأمن القومي الإيراني) , هذا قول مسؤول أوروبي كبير معلقاً على الدور الإيراني الذي تمارسه على الساحة العراقية.
مناورات واستفزازات إيرانية للمصالح العراقية
ونورد ها هنا بعضاً من الحقائق والوثائق التي تكشف قيام إيران بسرقة وتهريب نفط العراق إلى أراضيها , وهو قليلٌ من فيضٍ لم يتم الكشف عنهُ خوفاً من ردودَ فعلٍ شعبية عراقية غاضبة قد تهدد عروش حلفاء أيران في بغداد , لذا نستعرض بعض ما تم الكشف عنهُ وهو كالتالي:
بتاريخ 2008/1/2, اتهمت هيئة النزاهة الحكومية إيران بسيطرتها على 15 بئراً نفطياً عراقياً في المناطق الجنوبية وأكدت الهيئة بأنها أعدت تقارير عن تعديات الطرف الإيراني وقيامه بنهب وتهريب نفط العراق حيث تثبت هذه التقارير بان إيران قامت باستخدام أسلوب الحفر المائل إلى جانب الأراضي العراقية لسحب نفطها وكذلك اجتازت العناصر التابعة للنظام الحدود بين البلدين ودخلت الأراضي العراقية وسيطرت على آبار النفط العراقية حيث طردت الموظفين العراقيين من عملهم , وتفيد التقارير عن استخدام أسلوباً أخر لسرقة نفط العراق وهو تثقيب أنابيب نقل النفط الخام من آبار البصرة إلى مصفاة مدينة (ابادان) الإيرانية حيث يتم انحدار النفط من الأنابيب إلى برك فينقل من هناك عبر الصهاريج العمودية إلى ناقلات النفط التي أرست في ضفة شط العرب بصورة غير قانونية , وأيضاً تبين هذه التقارير بان السرقة لا تقتصر على النفط الخام وإنما تشمل المنتجات النفطية التي تنقل من مصفاة (ابادان) إلى العراق وعلى هذا الأساس يتم تهريب المنتوجات في النقاط الخاصة بمنطقتي (ابو الخصيب و آم قصر) عن خط مصفاة (الشعيبة ) الذي يمتد إلى الناصرية - السماوة - الديوانية - النجف, و أيضاً عن الخط الذي يمتد من العمارة إلى الكوت.
وعلى الصعيد نفسه أعلن تلفاز كردستان في تاريخ 2008/2/3 , أن وكيل وزارة خارجية حكومة المنطقة الخضراء ( محمد الحاج حمود ) أكد أن إيران سيطرت على 15بئراً نفطياًعراقياً بمنطقة (الطيب) في محافظة ميسان , ومن جانب آخر أكد نائب رئيس ما يسمى بهيئة النزاهة (موسى فرج) بقيام الإيرانيين بطرد المهندسين والموظفين العراقيين ومنعهم من الوصول إلى تلك الآبار التي سيطرت عليها إيران.
وكانت القوات الإيرانية قد أستغلت ظروف العراق وشنت هجوما على منطقة بئري النفط ( 8 و6 ) في تاريخ2006/1/25 وقامت بقصفهما بإطلاق قذائف الهاون حيث أدى الهجوم إلى عدم إمكانية حضور موظفي وزارة النفط العراقية في مناطق آبار ( 7 و8 و5 و14 و 19 و20 ) وقد تركوا هذه الأماكن , وتفيد التقارير المستحصل عليها بان وحدات من قوات إيران الحدودية شنت هجوما على بئري نفط ( 6 و8 ) بأمر سلطات النظام في تاريخ2006/4/3 وقامت بقصفهما لغرض إخلاء الموظفين العراقيين حيث تركوا العراقيون هذين المنطقتين , كما قد تم تسجيل حالة هبوط طائرة إيرانية بمنطقة الفكة في محافظة ميسان تحمل أربعة ركاب يرتدون أزياء دائرة النفط , وقاموا بتصوير بئر نفط ( 14 ) وهددوا موظفي شركة النفط العراقيين بوجوب ترك المنطقة , كما وتفيد التقارير الواردة بان عناصر النظام الإيراني قاموا بحفر آبار النفط داخل الأراضي العراقية في المناطق الحدودية بتاريخ2007/10/31 في محافظة ميسان ودخلوا الأراضي العراقية ومنعوا موظفي نفط العراقيين عن العمل وقاموا بطردهم عن هذه المناطق وبضمنها بئر ( 4 ) في (الفكة وابو غرب) ,  كما وقد داهمت قوات النظام الحدودية مخفرا ساحليا عراقياً , وأعتدت على الصيادين العراقيين مما أدى إلى اغتيال عدد واعتقال عدد آخر من القوات العراقية في الحدود , وهذه المعلومات تؤكد قيام قوات النظام الحدودية الإيراني بدعم المهربين التابعين للحرس الثوري في شط العرب من اجل تهريب المنتوجات النفطية والمواد الأخرى إلى العراق , وفي شهر تشرين الثاني 2007 , كشفت تقارير أخرى بان العناصر التابعة للنظام تساعد مهربي النفط وتوفر لهم التسهيلات حيث ترفع العلم الإيراني على الناقلات التي تستخدم لنقل النفط المسروق من العراق إلى إيران , وكانت السفن والعاملين فيها تابعين للحرس الثوري الإيراني , وفي تاريخ2007/12/31, بدأت العناصر التابعة للنظام الإيراني في الاستمرار بعملية استخراج النفط مقابل البئر ( 17 ) ومنع الموظفين العراقيين عن الحضور في آبار (ابو غرب) ( 16 ) و آبار ( 4 و14 و15 و18 ) في حقول الفكة واستمرار عملية حفر بقرب بئري ( 4 و7 ) في منطقة الفكة وقامت بتهديد الموظفين العراقيين باعتقالهم ونقلهم إلى إيران في حالة عدم ترك المنطقة , وبحسب بعض التقارير الواردة في كانون الثاني 2008 , وإضافة إلى حجز الطائرات العراقية في إيران منذ سنوات, فلم يقبل النظام بإعادة بعض الأجهزة العائدة إلى الحفر للمنشات النفطية العراقية  , وبضمنها القطعات البحرية وحفارة النصر والجنيبات التي نقلت إلى إيران عام 1991 أو أخذت من القوات العراقية قسريا بواسطة قوات إيران الحدودية , ومن الجدير بالذكر بان حفارة النصر تبلغ قيمتها مليون ونصف المليون دولار.
كل هذا وغيرهِ يجري أمام أنظار حكومة المالكي التي تدعي السيادة والاستقلال , وأنها ترفض أي نوع من أنواع الوصاية وتقديم الأوامر عليها , فكذبت حكومة المالكي ولا صدق لها.